Thursday, 14 Nov 2019

الشوبكي: الحياد بمعناه المطلق ليس واقعيا في عمل الإعلامي

حوار معالم العبيدي

 

العمل ضمن مؤسسة رائدة تصنع الحدث وتغير موازين دول، لهو عبء كبير ومسؤولية مركبة تحدوك بالضرورة نحو التميز لتكون ضمن ركب الصاعدين، لكن هي الخبرات التي تتراكم والتنقل بين التخصصات العلمية والأكاديمية ومآثرها على صعيد المهنة والموضوعية والتحرك بين أوراق قضايا الشعوب، وهذا لا يأتي من فراغ إلا هوس التخطيط ورسم مسارات الحياة ومتاعبها. تلك هي مقدمات حوارنا مع مدير شبكة الجزيرة في الأردن حسن الشوبكي

كيف نعرف حسن الشوبكي لجمهور مجلة إعلاميون؟

مدير شبكة الجزيرة في الأردن، عملت قبل ذلك صحافيا ومحررا في عدد من الصحف منها الغد والرأي الأردنية ومجلة فوربس الأميركية، حاصل على درجة الماجستير في الدراسات السياسية من معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة عام 2002، ودرجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة اليرموك 1994.

شاركت في تغطية الأحداث في عدد من البلدان إضافة إلى الأردن، ومن ذلك تغطية تطورات تغيير الحكومة اللبنانية في العام 2011، والانتخابات العراقية في الرمادي والفلوجة العام 2010، معدّ ومخرج الفيلم الوثائقي “فلسطينيون تحت خط الاستواء: والذي صور في العراق والأردن والبرازيل.

من صحفي ‏في الصحافة المكتوبة ‏ثم ‏مراسل ميداني ثم مدير مكتب شبكة الجزيرة حاليا، ‏تنقلات مختلفة هل لك أن تخبرنا عن هذه التنقلات وكيف أثرت في إثراء عملك الصحفي؟

هناك مفهوم الصحفي الشامل، وهو في تقديري قديم جديد، بمعنى أنه كان موجودا في السابق كما أنه أكثر وضوحا في السنوات الأخيرة، والمضمون أن معرفة خبايا الصحافة وتفاصيلها ومثلها صحافة المجلات واليوميات علاوة على رسم و إخراج الصفحات واختيار العناوين، وغيرها من فنون الصحافة، أسهمت في تمهيد الطريق للصحافة التلفزيونية والاهتمام بالصورة على نحو مباشر، وكل عمل قمت به في أي وسيلة إعلام عملت فيها، سواء كانت الصحف الأردنية الرئيسية (العرب اليوم، الرأي والغد) أم في مجلة فوربس الأميركية في قناة دبي الاقتصادية وغيرها وصولا إلى شبكة الجزيرة الإعلامية، كلها كانت مثل المداميك في بناء عال، كل لبنة تصطف إلى جانب نظيرتها بحثا عن عمران جميل.

‏كانت لك تجارب كثيرة في المناطق الساخنة في العالم العربي هل خطر في بالك وأنت في خضم ‏التغطية بأنك لن تعود) و ‏كيف كنت تتعامل مع هذا الهاجس؟

هذا الهاجس يتشكل ويتفاعل وينمو قبل الوصول إلى منطقة التوتر أو النزاع والحرب، بمعنى أن قرار المشاركة في تغطية حرب ما أو منطقة توتر يسبق وصول الصحافي إليها، وهنا تكمن المعضلة، أما عند الوصول إلى مكان التغطية فإن المرء يسبق جزءا من المكان على نحو إيجابي وبما يزيل الخوف والقلق، وأظن أن هاجس عدم العودة رافقني في مرات عدة، لكنني كنت وما زلت متيقناً أن الأقدار حاسمة في هذا الأمر، وأن ساعة المرء لا تتأخر دقيقة ولا تتقدم ثانية، كثيراً ما تبدت لي وجوه أطفالي وأنا في ساحة حرب والقصف يصم الآذان، وكثيرا ما شعرت باقتراب دنوّ الأجل، لكن كل هذا لم يزدني إلا قوة في نقل الحقيقة ومعاناة الإنسان في هذه المواجهات وتلك الحروب.

‏كيف يحتم على الصحفي أن يكون حياديا أو موضوعيا في نقل الحقيقة ‏وأن لا ينحاز إلى جهة على حساب جهة أخرى وكيف تستطيع أن توازن بين هاجسك الإنساني وبين عملك؟

الحياد بمعناه المطلق ليس واقعيا في عمل الإعلامي أو الصحافي، بيد أن التوازن المهني يقتضي من الصحافيين أن ينقلوا وجهات النظر المختلفة لكي يحكم المتلقي ويتخذ قراره ورأيه بشأن تداعيات الأخبار وتطوراتها.

بالنسبة لي انحيازي لملفات إنسانية عديدة يصعب إخفاؤها، فالحرية والعدالة ونشر معاناة الفقراء والمهمشين كل هذا وغيره على سلم أولوياتي في العمل، وفي تقديري إن الإعلام أولويات بالدرجة الأولى، فلذلك كانت معاناة الإنسان وتطلعاته للحرية وسعيه للخلاص من الفساد والاستبداد على سلم اهتماماتي ولها الأولوية في تقاريري والأخبار التي أبثها من مناطق النزاع والصراع، نقل الحقيقة قد يغضب طرفاً ما ويسعد الآخر، لكن هذا لا يعنيني، المهم بالنسبة لي نقل الحقيقة مهما كلف الأمر، دون أن أغرق في بحر الانحياز والتبعية.

ما رأيك بالصحفيين اللذين يلتقطون الصور مع فوهات البنادق ومع الجثث؟

هؤلاء ليسوا صحافيين هؤلاء مجرمون ومصنفون بخدمة أجهزة أمنية بعينها وينفذون أجندات لا علاقة لها بشرف مهنة الإعلام والصحافة

ما المسؤولية الاجتماعية التي تقع على عاتق الصحفي في نقل الأحداث؟

المسؤولية الاجتماعية كبيرة ومعقدة وحساسة في العالم العربي بالنسبة للصحافيين، فاذا كان المجتمع يصغي للانطباعات أكثر من المعلومات الحقيقية فعلى الصحافي أن يساعد المجتمع إلى مربع المعلومة والتحليل لا الانطباع، وإن كانت المجتمعات غارقة في التصنيف والاستقطاب والطائفية فعليه أن لا يكون جزءا من هذه الأمراض، وإلا فإن دور الصحافي يلغى ويصبح جزءا من المشاركة في جريمة يدفع ثمنها الجميع في المدييَن القصير والبعيد، وللأسف فإن الاصطفاف أصبح مرّا وثقيلا في العالم العربي عقب الثورات المضادة ضد احتجاجات الربيع العربي، والقليل من الصحافيين ينتبهون لهذا الأمر الآن، لذلك فإن المشهد يزداد تعقيدا ومرارة.

أستاذ حسن لقد دربت الكثير من الأشخاص الراغبيين الخوض في مجال الصحافة ماهي الأبجديات التي تعطيها للصحفي المتدرب؟

أركز في تدريب الزملاء الصحافيين على عدة أمور أهمها :

– أن يتجنب الحكم المسبق على الأشخاص والأحداث التي يتحدث عنها، وأن ينقل المعلومات وحسب بعيدا عن أمراض العنصرية واغتيال الشخصية.

– أن يغوص في التفاصيل التي تثري النقاش في القضايا التي يعالجها الصحافي وأن يساعد الرأي العام في فهم ما يدور حوله.

– العمل ضمن مسطرة مهنية راسخة لا مكان فيها للمزاج.

– البحث الدائم عن الحقيقة وتوثيق الأحداث بعدالة وبحجمها الحقيقي من دون تهويل أو مبالغات.

– الجرأة في الطرح وعدم وضع ” ماكياج ” لما ليس جميلا.

– عدم الخوف من السلطة أو أصحاب النفوذ والتأثير مهما علت قوتهم .

– تعزيز الصورة الذهنية في رسم التقارير بما يساعد على تنويع الفهم وعدم حصره في زوايا ضيقة .

ماهو أصعب موقف مررت به؟ وكيف تجاوزته؟

كثيرة هي المواقف الصعبة التي تعرضت لها في عملي، ولكن أذكر منها حدة الاستقطاب في ساحات الحروب ومحاولتي الدائمة في كل ساحة حرب قمت بتغطيتها نقل معاناة الناس هناك بعيدا عن أهواء المحاربين أو أطراف القتال، وهذا تكرر معي في مصراتة ودرعا وعدن ومدن عديدة شهدت احترابا قاسيا في السنوات الماضية وما زال بعضها يئن من الاحتراب ذاته.

برأيك هل يتوجب على الراغب في مجال الإعلام دراسة الإعلام أكاديميا، أم أن الميدان والتجربة هي من يصنع الصحفي؟

الإعلام والصحافة كأي مهنة في العالم، لها أدواتها وشروطها، والتأهيل الأكاديمي مهم والتدريب مهم ولكن تخصصا بعينه في الجامعة لا يعني أن الطالب قد أصبح صحافيا، وفي موازاة ذلك فإن التجربة المهنية للصحافي لا تعني أن يعمل بمعزل عن شروط العمل من زاوية أكاديمية، أعتقد أن الجامعة والميدان يكملان بعضهما بعضا وإن كنت أميل شخصيا إلى تجربة الميدان في صقل الأدوات وتحسين قدرات الصحافي والإعلامي.

لو لم تكن صحفيا ماذا وددت أن تكون؟

كنت أرغب في أن أكون خطاطا، وقد عملت لفترة كخطاط قبل دراستي الجامعية، فلدي مهارات في التخطيط ما زالت تداعب مخيلتي وتحملني على التخطيط، لا سيما عندما أكون وحيدا ولدي أوراق وأقلام.

بعد هذا النجاح والمسيرة المتعبة هل لديك مشاريع تود أن تحققها في المستقبل؟

أرغب إن شاء الله في تطوير قدراتي في إعداد وإخراج الأفلام الوثائقية، ولدي أحلام بأن أوثق عددا منها في قابل السنوات، وسأبذل قصارى جهدي لتكون مختلفة واستثنائية وتعالج واقعنا المركب في العالم العربي.

كم تقريرا صنعت؟ وأي من هذه التقارير أثرت فيك؟

بصراحة لا أذكر عدد التقارير فهي كثيرة وربما يكون عددها بالآلاف، وأرى أن كل تقرير يمثل جزءا من فهمي للأمور ومن خبرتي التي تراكمت في التفاعل مع أشخاص جدد وأحداث غريبة ومدن لم أزرها من قبل، أتعامل مع التقارير التي أعدها بوصفها جزءا مني، وتستوقفني كثيرا التقارير التي تمس الإنسان وتلامس فقره وتهميشه، وما أكثرها والحمد لله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *