Thursday, 14 Nov 2019

د. لقاء مكي: الصحافة شاركت بتعزيز المشكلة الطائفية وأسهمت في استثارة العراقيين على بعضهم

حوار: محمود القيسي

من صحفي إلى أستاذ جامعي، كيف تعرِّف نفسك؟ وما هي أبرز محطاتك التي أثرت في بناء شخص د. لقاء؟

 في الحقيقة أنا لم أشهد هذه الانتقالة من الصحفي إلى الأستاذ، فعلى الدوام تلازم الجانب المهني عندي بالتحصيل الأكاديمي وصولا إلى العمل أستاذا في قسم الإعلام بجامعة بغداد كأستاذ ورئيس قسم.

بدأت عملي في الصحافة العراقية في نهايات عام 1980، حينما كنت في بدايات المرحلة الثانية من كلية الآداب/ قسم الإعلام، عملت في حينها محرراً ثقافياً في الملحق الأسبوعي لجريدة الثورة، واستمر ذلك مدة عام قبل أن يلغى الملحق، لاختار قسم الأخبار الخارجية في الصحيفة، ومنذ ذلك الحين أي عام 1982 لم أترك العمل في ميدان الأخبار حتى يومنا هذا.

في عام 1983 تخرجت من كلية الآداب وفي عام 1986 انتظمت في أول دفعة لدراسة الماجستير في قسم الإعلام، وحصلت على الماجستير في الدعاية والحرب النفسية في عام 1988، لأعين تدريسياً في القسم عام 1989، من غير أن أترك عملي في الصحافة الذي ظل مستمرا بدوام يومي دون انقطاع، حيث كنت أقضي النهار في الجامعة والمساء والليل في الصحيفة ذاتها (الثورة).

وفي عام 1992 افتتحت دراسة الدكتوراه في قسم الإعلام لأنتظم في أولى دوراته، وفي ذلك الحين وبسبب ظروف الحصار ألغي التفرغ الكلي للتدريسيين الذين ينهون الدكتوراه، فواصلت مهمات التدريس إلى جانب الدراسة مع بقائي محررا للأخبار الخارجية مساءً حتى عام 1995 حينما حصلت على الدكتوراه في الصحافة الإخبارية، لأنتقل للعمل في القسم السياسي بجريدة الثورة، الذي وفر لي فسحة أكبر من الوقت، لكني لم أنقطع أبدا عن جريدة الثورة كمحرر سياسي، حتى مع تعييني معاونا لعميد كلية الآداب عام 1997 ورئيسا لقسم الإعلام عام 2000، بل إنّ مهماتي زادت خلال هذه الفترة، فقد أعدت في عام 1998 إصدار جريدة الإعلام التي كانت تصدر عن قسم الإعلام، وترأست تحريرها وحولتها إلى صحيفة أسبوعية منافسة تُباع في الأسواق ولها جمهور واسع بعد أن كانت مجرد صحيفة تدريبية توزع داخليا، كما بدأت في العام نفسه أولى خطواتي بالعمل التلفزيوني بإعداد وتقديم برنامج سياسي من تلفزيون العراق، تلاه بعد ذلك بعامين برنامج آخر في قناة العراق الفضائية، ومنذ عام 2001 ومن موقعي كرئيس لقسم الإعلام باشرت بإعداد الدراسات التي تم بموجبها صدور القرار بتحويل قسم الإعلام إلى كلية في العام الدراسي 2002-2003، حيث تسلّم الزميل الدكتور عبد الرزاق الدليمي عمادة الكلية، ولأتفرغ أنا للتدريس إلى جانب عملي الصحفي والتلفزيوني، لكني قبل ذلك  كنت قد أكملت جميع متطلبات الحصول على لقب الأُستاذية، وهو أهم لقب علمي للأستاذ الجامعي، وحصلت عليه بالفعل.

الحقيقة كانت رحلة طويلة وشاقة ولكنها شيقة، مليئة بالمصاعب والخبرات، وقد أسهمت خبرتي العملية إلى حد كبير جدا ومؤثر في خدمة عملي التدريسي لا سيما في مجال تدريس الأخبار على طلبة المرحلة الأولى، فقد توفرت لدي خبرة أحسبها جيدة وطويلة لتعليم فن الخبر والتدريب عليه، بوصفه أول مراحل صناعة الصحفي، كما أنّ تحصيلي الأكاديمي، منحني قدرة أكبر على التعامل مع الأخبار بحرفية وموضوعية وقدرة على التحرير.

غادرت العراق بعد 2003.. صف لنا تلك اللحظات؟ وهل كانت تجربة ثرية في البناء الأكاديمي والإعلامي للقاء مكي؟

أنا لم أغادر العراق إلا في نهاية عم 2004، ولظروف التحاقي بعملي في قناة الجزيرة في قطر، وليس لأي سبب آخر، وقد دُعيت بعد وصولي بمدة قصيرة للتدريس بجامعة قطر كمحاضر خارجي في قسم الإعلام، وتوليت التدريس هناك بالفعل عدة فصول دراسية. كانت تجربة مهمة بطبيعة الحال، لا سيما في مجال المقارنة بين طبيعة المناهج وطرق التدريب والإمكانات التدريسية ومستوى الطلبة وغير ذلك.

أما بالنسبة للعمل الإعلامي فأنا أعمل في الموقع الإلكتروني لقناة الجزيرة، وهو أمر خلق عندي الكثير من الخبرة في مجال العمل التقني والمهني وصحافة الإنترنت والوسائط الاجتماعية وسوى ذلك.

لديك العديد من المؤلفات منها أكاديمي وآخر سياسي.. أيها أقرب منك وتعتقد أنه يتضمن حلا ورؤية للملف العراقي؟

لا أظن أنّ هناك مؤلفا أو دراسة تتضمن حلا لقضية العراق كما ورد في منطوق سؤالكم، فالقضية كما تعرفون أكبر بكثير من أي توصيف أو حتى قدرة فردية، لكني كتبت خلال السنوات التي تلت الغزو دراسات لمؤتمرات وندوات حول العراق قد يكون فيها فائدة لجهة توصيف المشكلة أو جوانب منها، ومن بين ذلك بحث كتبته في عام 2007، في غمرة الصراع الأهلي الطائفي المسلح عقب تفجير مرقدي سامراء، كان عنوانه ” الأزمة في العراق، أزمة مجتمع أم أزمة دولة”، كما شاركت في كتاب حال الأمة الذي يصدره مركز دراسات الوحدة العربية عن العام 2009، حيث يشارك كل كاتب بكتابة الأوضاع في بلده. وكتبت دراسات أخرى خلال السنوات اللاحقة حول العراق، فضلا عن بجوث إعلامية كانت على الأغلب للمشاركة في مؤتمرات علمية وبحثية عقدت في الإمارات والأردن وتونس وقطر.

إلى أي درجة لعبت المؤسسة الصحفية في العراق دور المُؤَزم لا دور الباحث عن حل فباتت جزءا من المشكلة؟

هذه ملاحظة جيدة، فقد شاركت الصحافة بتعزيز المشكلة الطائفية وأسهمت في استثارة العراقيين على بعضهم وتنفيذ أجندات الأحزاب والقوى المتصارعة وتأليبها على بعضها، وهذا الأمر لا يرجع لسوء في الصحافة، بل إلى عملية استثمار لها ولقدراتها من قبل القوى السياسية المتصارعة، وهو أمر متوقع، كما أنه ليس حكرا على العراق، فجميع الدول تستخدم الإعلام في صراعاتها وحروبها الدعائية والعسكرية، تماما كما يجري استخدام الإعلام للتشويه والتضليل من خلال الدعاية التجارية مثلا.

لذلك لا أستطيع القول إنّ هذا الدور كان متفردا أو حكرا على الصحافة العراقية، لا سيما وأنّ حداثة عهد الصحافة العراقية بموضوع الحريات الإعلامية والتعددية وتحول ذلك لفوضى على امتداد عدة سنوات بعد الغزو عزز من هذا الدور السلبي. ومع ذلك فهناك صحف وصحفيون عراقيون قدّموا الكثير من أجل الحقيقة، بل إنّهم قدّموا حياتهم ذاتها في هذ الطريق.

بعد الانفتاح الإعلامي الكبير في العراق كيف ترى هذا التنوع وما تقييمك للقنوات التلفزيونية العراقية ومقارنتها بالعربية؟

أعتقد أنّ العراق ملئ بالمواهب والطاقات الجيدة، وهو يستطيع فعلا تقديم إنتاج إعلامي مميز، لكننا للأسف لدينا مشكلة تتمثل في عدم معرفتنا أو عدم قدرتنا على صناعة نجوم في الإعلام والفن وسوى ذلك من مشاهير يتحولون إلى إيقونات فنية وإعلامية تعزز صناعة الإعلام وتطورها، ولعلنا نذكر أنّ بعضا من أهم المواهب الفنية العراقية نبغت أو برزت بعد خروجها من العراق إلى دول عربية معنية بصناعة النجوم مثل مصر أو لبنان. وظني أنّ الأمر صناعة تتعلق بطبيعة الشعوب، فالعراقيون لديهم اعتداد خاص بأنفسهم بحيث يكون من الصعب تسويق فنان أو رياضي كنجم بالنسبة لهم، ولذلك نجد أنّ صنعة السياحة لدينا ضعيفة؛ لأنّ الخدمة التي تتطلبها هذه الصناعة صعبة المنال في العراق.

عاصرت أوائل الشكل الجديد للإعلام المتمثل بثورة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.. أيهما أقوى أثرا على المجتمعات العربية، الإعلام بشكله الحديث أم القديم؟ وهل العراق يندرج تحت نفس المستوى من التأثر كونه من أواخر المنُظَمين لعالم الإنترنيت؟

بالتأكيد الإعلام الجديد أكثر تأثيراً في كل مكان لا سيما في الدول العربية، فالعلاقة في هذه الدول مع الإعلام التقليدي هي بالأصل فيها نفور ومشكلات مصداقية، فلما جاء الإعلام الجديد وانتشر الإنترنت أصبحت وسائل التواصل ظاهرة أساسية في البلدان العربية، بل وعرفت بلدان معينة بهذه الوسائل، ففي السعودية والخليج عموما يطغى تويتر، وفي العراق ومصر والأردن يطغى الفيس بوك، وهكذا، ولا ننسى أنّ الفيس بوك كان أساسيا في شحن الثورات العربية ولاسيما الثورة المصرية عام 2011.

والإنترنت اليوم لم يعد مُكلِفا أو نادرا وبالتالي فالعالم العربي دخل بقوة وسرعة في عالم الإعلام الجديد، بشكل فاق بمراحل كثيرة سرعة دخوله عالم الإعلام التقليدي.

ما هي فلسفة الإعلام الحديث؟

الإعلام الحديث في عالم الإنترنت يقوم على أساس التفاعلية، هذا العنصر هو جوهر الظاهرة الإعلامية المعاصرة، وهي أن لا يكون هناك اتصال خطي بين مرسل ومستقبل، مذيع ومستمع، كاتب وقارئ، اليوم لدينا جمهور يكتب وجمهور يقرأ، وجمهور يرسل الأخبار، وجمهور يتبادل الرأي ويتواصل، الإعلام صار دائريا بعد أن ظل لمئات السنين خطيا.

نحن إزاء ظاهرة جديدة تلغي دور وسائل الإعلام شيئا فشيئا، رغم أنّ ذلك لن يكون منظورا على المدى القصير، لكن المؤسسات الإعلامية التقليدية لن تكون حاضرة كما نعرفها في المدى المتوسط.

ألا تظن أننا بحاجة إلى منظمات مجتمع مدني كواحدة من ظواهر المجتمعات الصاعدة أو ما يعيشه العراق اليوم هو بسبب تغييب مثل هذه المؤسسات المجتمعية؟

أعتقد أنّ منظمات المجتمع المدني موجودة في العراق فعلا، وبعضها قد يكون له دور واسهام جيد مقارنة بالأوضاع العامة للعراق، لكن المشكلة ليست في وجود مثل هذه المنظمات بل في آليات عملها، وتوفر فرص نجاحها والمناخ القانوني والأمني الذي تعمل فيه.

والمشكلة الأخرى التي تعني هذه المنظمات وسائر القوى الاجتماعية ومنها الأحزاب السياسية ذاتها، هو مشكلة التمويل، فتغاضي الحكومة عن هذا التمويل، وتراجع فرص التبرعات بسبب تداعيات الحرب على الإرهاب وتمويله، فتح الباب أمام تمويل خارجي سيكون من نتائجه أن ترتهن أجندات المنظمات المعنية بالسياسات الأجنبية، وهو أمر ينسحب على سائر القوى الاجتماعية ومنها الأحزاب السياسية ذاتها.

ما تقيمك للتجربة التي مرّ بها عدد كبير من الصحفيين والإعلاميين العراقيين في الخارج؟ وهل انعكس ذلك إيجابا أم سلباً على مستوى أدائهم؟

لا شك أنّ عمل الصحفي في الخارج يضيف إلى تجربته من الناحيتين المهنية والإنسانية، ولو عمل في مؤسسات متطورة فاستفادته ستشمل أيضا العامل التقني والفني وهو ما نجده بشكل خاص في الدول المتقدمة أو في الدول الغنية التي تقتني التقنيات الغربية بسرعة مثل دول الخليج. لكن من الناحية الأخرى هناك مشكلة حقيقية في انقطاع الإنسان عن بلده، تتمثل في عدم استيعابه للتطورات الحاصلة على الصعيد الاجتماعي، لا سيما في بلد يخوض حربا من أطرز ما يشهده العراق وهو ما يظهر جليا في علاقة المغترب بوسطه، وتتعاظم آثار هذه الفجوة إذا كان المرء صحفيا عليه أن يخاطب مجتمعا لم يعد يعرفه بشكل جيد كما يفترض، هذا فضلا عن الصعوبات التي سيواجهها في بناء علاقات قوية مع الطبقة السياسية والاجتماعية التي يفترض أن تكون مصادر أخباره، وهذا الأمر يعقّد من مهمته التي تستلزم ما هو أبعد من الموهبة والقدرة لا سيما إن أضفنا إلى ذلك مخاطر الجانب الأمني التي قد يراعيها الصحفيون العاملون في العراق ولكن قد لا يعرف ضروراتها أولئك الذين قضوا السنوات الأخيرة في الغربة.

ما هي أسوأ صفة قد تضاف للقنوات الإعلامية إضافة للطائفية والتحيّز في تقديم الخبر؟

لا يمكن توقّع وسيلة إعلام غير منحازة، كل وسائل الإعلام لديها انحياز بشكل أو بآخر، والفارق هو في شكل ومقدار هذا الانحياز، فالوسائل المحترفة تعمل على إخفاء انحيازها خلف جدار صلب من الاحترافية والقدرة المهنية اللذين يمكنهما أن يخفيا أثر المضمون الدعائي في النص الإعلامي، لكنّ المؤسسات غير المحترفة سترتكب أخطاء تجعل انحيازها واضحا وسافرا وغير صالح للإقناع.

ولذلك عدم المهنية قد يكون بمستوى الانحياز من حيث السوء، أما الطائفية فهي أيديولوجيا، تعبّر عن نفسها في العراق بهذا الشكل، وتعبر عن نفسها في مكان آخر بشكل مختلف مثل التعصب العرقي أو الديني على غرار الإسلاموفوبيا في الإعلام اليميني في أوروبا، أو ما عبرت عنه الصحف الخليجية من مشاعر كراهية وتباغض واتهامات خلال الأزمة الخليجية.

ما تفسيرك لازدياد ظاهرة برامج السخرية؟ هل هي لغرض السخرية بحد ذاتها أم أنها لأهداف أخرى؟ خاصة أنّ اللغة المستخدمة في هذه البرامج تحتوي على كم من الكلمات غير المهذبة والفاحشة في بعض الحالات؟

ظهرت هذه البرامج لسببين، الأول: هو توفر المناخ المهني والقانوني والمالي الذي يدعم وجودها والثاني: هو عمق الأزمة في العراق، مما يتجاوز كثيرا قدرة الإعلام التقليدي على استيعابه والتعامل معه، فعمد إلى استثمار قدرة البرامج الساخرة على اختزال الحالة المزرية وتقديم عروض لا تناقش تفاصيل الفساد والخراب وأسبابه وتداعياته، بل تقفز إلى السخرية منه ومن أبطاله، كحالة قصوى من الرفض الاجتماعي له، وأيضا كنوع من تجسيد عدم جدوى المناقشة العقلانية لسلوك غير أخلاقي. وبالطبع فمثل هذه البرامج السهلة والناقدة والحادة في توجيه سهامها، تحظى بحكم ذلك كله بإقبال الناس مما يزيد من رواجها وتوالدها.

هل تعتقد أنّ العمل السياسي في الحالة العراقية ورطة؟

هي ليست ورطة بقدر ما هي أزمة، أو فلنقل هي حالة تداعي عامة وشاملة ترتبط بانهيار منظومة الدولة بجوانبها السياسية والقانونية والاجتماعية، ولذلك يكون الدخول للعمل السياسي في جانب منه نمطا من انتحار سياسي، أو وسيلة للارتزاق، لكنه من الصعب أن يوفر مناخا لعمل سياسي حقيقي مخلص وكفء، رغم أننا لا يمكن أن ننفي تماما عدم وجود ذلك.

هل من فارق بين العمل الصحفي والأكاديمي والسياسي؟

بالتأكيد هناك فروق وبعضها جوهري يتجاوز الفروقات بين المهن، فالعمل الأكاديمي مع ما يفرضه من شروط قاسية للالتزام بالمنهج العلمي والموضوعية الكاملة يفترض أن يبني نمطا من شخصية قادرة على الحكم الموضوعي على الأشياء والحوادث، وهذا أمر لا نجده بالتأكيد في السياسي الذي هو منحاز لفكره وارتباطه الحزبي أو العقائدي، أما الصحفي فهو بين الاثنين، فمن ناحية، يفترض بالصحفي أن يكون موضوعيا، وهو يتدرب على ذلك لا سيما في مجال الأخبار، لكن الصحفي أيضا يكون منحازا بطبيعته كونه يكتب في حقول قد تكون قريبة منه ومن انشغالاته وربما من ارتباطاته الشخصية، لذلك فانحيازه هنا قد يكون مخفيا وغير واضح المعالم على عكس السياسي، كما أنّ الصحفي كما يفترض به هو إنسان مثقف، وبالتالي فهو جزء من حراك اجتماعي وفكري ولا بد أنّه بحكم ذلك يتبنّى نمطا أو خطا فكريا معينا، حتى لو لم يكن منظما في حزب أو تيار سياسي، ولذلك فهو سيكون منحازا لما يعتقد أنه صحيح.

إذا ما خُيّر المرء بين هذه الثلاثية.. إلى ماذا سترشده؟

هذا الأمر لا يعتمد على التوصيات بل على الميل، وأنا جربت الأكاديمي والصحفي واقتربت من السياسي، ولي في كل منها تجربة معينة، وظني أنّ العمل الأكاديمي فيه الكثير من الاستقرار الذي يحافظ على صحة المرء ونمط حياته الاجتماعية، لكن كثيرين لا يحبذون مثل هذا الاستقرار طويل الأمد الذي قد يخلو عندهم من المتعة، وربما يفكرون بالصحافة التي تمنحهم صخباً وإثارة وربما شهرة، أو بالسياسة التي تعطيهم حضورا وربما سلطة وقدرة على صناعة الأحداث. هذه خيارات لا تتبع الأهواء فقط، بل القدرة والفرصة أيضا.

هناك مجموعة من الشباب لهم رغبة العمل السياسي.. بماذا توصيهم؟

السياسة في أبسط تعريفاتها هي فن الممكن، لذلك فأول شروط السياسي أن يكون واقعيا لا أيديولوجيا، هذا إذا أراد أن ينجح كسياسي، ولذلك فقد يجد الكثيرون أنفسهم أمام خيارات صعبة للتخلي عما يرونه صحيحا مقابل ما هو ممكن وواقعي، وهذه خيارات لا يتحملها الجميع، هذا فضلا عن أنّ السياسي سيواجه تحدياً تجاوز إغراءات السلطة والمال والشهرة وما تصنعه من محاسيب ومتملقين ومخاطر أخرى جمة، قد تنهيه كسياسي أو ترفعه.

خلاصة خبراتك المركبة.. بماذا تنصح الشباب الإعلامي الصاعد؟

الصحافة مهنة شاقة وصعبة ومتطلباتها كثيرة، وحبها لا يعني القدرة عليها، فهي بحاجة لثقافة واستغراق وانقطاع وتضحية بالوقت والراحة والمتطلبات الاجتماعية وسوى ذلك كثير، وأن تعلم أنّ الخبرة عنصر أساسي في هذا العمل، والخبرة بحاجة للوقت وبالتالي فعليك العمل بجهد وكفاءة وصبر قبل أن تكون صحفيا جيدا، فإذا كنت تمتلك كل ذلك فلا بأس يمكنك أن تصبح صحفيا.

ختاماً.. كلمة لمجلة إعلاميون كيف وجدتها وهي خلاصة جهد شبابي إعلامي؟

أنا منجذب لكل جهد يقوم به الشباب، وقد أعجبتني فكرة هذه المجلة منذ انطلاقها وتابعتها بشغف واحترام، ووجدت فيها جهدا نبيلا ومحترفا، وقد أضاف لها حقيقة وجود هؤلاء الشباب خارج العراق بُعدا آخر يتضمن توجيه الجهد والقدرة بطريقة تبقي تواصل العراقيين مع وطنهم من خلال الانتماء ومن خلال تطوير الذات وبناء المعرفة، ويكفي التعريف بمرجعية المجلة وكادرها؛ لتعزيز سمعة البلد الذي لم تعد الأجيال الجديدة تعرفه بغير الموت والعنف والخراب ولا تعرف أنّ فيه كفاءات وعلماء وقدرات محترمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *