Thursday, 14 Nov 2019

الإعلامي والثقافة

عبد الله النعيمي

إعلامي وكاتب

الإعلام والثقافة شطران يكمل أحدهما الآخر، فالأول يتغذى عليها، والثانية هي لُبّه، والإعلاميون اليوم يمتلكون نسبَ ثقافةٍ متفاوتة، تكونت ونَمَت حسب نشأة الإعلامي بين أفراد أسرته، مرورا باحتكاكه بأصدقائه ومجتمعه ومحيطه، وانتهاءً بالطرق التي تلقّى من خلالها دراسته الأكاديمية التي تُعد بدورها مفترق طرق لكثير من الإعلاميين الأكاديميين، ولكن السؤال الذي يُطرح هنا، هل ما تلقاه الإعلامي في كلية الإعلام كافيا ليُعدَّ مثقفا؟

باعتقادي لا، ومن مرَّ بتجربة سبقت يدرك معنى الذي أقول، فالثقافة المستمرة والتعليم الدائم أساس وقاعدة وهيكل الإعلامي في حواره ونقاشه مع من يلقى من أصحاب الشأن على الشاشة إن كان مقدما للبرامج أو مذيعا، أو المواطنين إن كان مراسلا، أيا كان الحيّز الذي يشغله الإعلامي فالثقافة تعد محوره ومركزه، ليكون مفكرا وواعيا يفهم ما وراء السطور، ينهض بمجتمعه، يعرف الصالح من المفسد، ويكون محَصِّنا لنفسه من خطرِ وشر غيره، يكون شخصا بمثابة جامعة من المعاني والقيم، يمحص ويحلل، يخاطب ويستمع، يعرف كل ما يقول، ولا يقول كل ما يعرف، والمجالات مشرعة وفاتحة أبوابها وما أكثرها في السلوك والفكر والسياسة والتربية والتعليم والتاريخ واللغويات كل ذلك زيادة على اختصاصه في الإعلام، ويسهل ذلك بتطبيق القاعدة التي نَصُّها (٥٠-٥٠)، أي أن٥٠ّ٪‏ لاختصاصه ومجاله و٥٠٪‏ للثقافة الأخرى، فالإعلامي جامع شامل موسوعي للاختصاصات كلها، لا يكتفي بظهور على شاشة صغيرة هنا أو هناك، معتقداً أنّه وصل القمة، ولا يدانيه أحد، خلاصة القول أنّه من الصعوبة البالغة أن يفترق عمل الإعلامي عن خلفيته الثقافية.

أما الإعلامي الذي تحيط الكتب به من الجوانب كلها فإنه بذلك سيتملك قلما يشار له بالبنان، وسيفهم واقعه ويبني قيمه، ويتفاعل مع الآخر بتبادل المنفعة، ويحل المشكلات بوعيه، عندها سيبدع ويتألق ويتميز بين أقرانه، فالشعوب لا تفنى جسديا، إنما تفنى ثقافيا، ولنا في المغول (١٢٥٨م-٦٥٦هـ) مثال ودليل نعرفه بالذي حصل لكتب بغداد، وما حدث بعدها، فبعد هجر الكتب والقراءة والثقافة يستسلم الشخص والمجتمع ويلجأ إلى الهروب والتخفي والضعف، ويبعد عن الدور القيادي الريادي، بل على العكس من ذلك سيبقى ذيلا لغيره، تابعا له، فتصيب المجتمع أزمة ثقافية تتمثل بالجمود والإسقاط والأبعاد والتطرف والتعصب وغيرها الكثير ما يحط من القدر.

أما ما يخص الكيفية، فإنّ الإعلامي إذا ما ابتغى ارتقاء سلالم المعرفة، وأراد أن يتحول من طرف إلى مركز ومن تبعية إلى صدارة، فعليه أن يسلك طريق المعرفة والفهم والتركيز والتحليل، بالاستمتاع بالقراءة، فيجعلها عادة ويخصص لها وقتا خاصا ذهبيا، وكذلك يحدد الهدف من القراءة ويُكَوِّن الدافع لديه بالتدرج، ويستخدم أنواع القراءات المتعددة التي أصبحت علوما بحد ذاتها مثل القراءة السريعة والتحليلية والانتقائية، ويَتْبَعُ الأنواعَ تلك التقنياتُ التي تزيد وتضاعف المعلومات والاستيعاب مثل إمساك القلم وعمل الخرائط وبناء الموضوع ووظيفة العينين واليدين أثناء القراءة، فبعصرنا هذا لا حصر للوسائل المساعدة يقابلها شحة في الراغبين، على العكس من زمن مضى فقد كانوا يكتبون بالفحم وغيره، أي أنّ الوسائل شحيحة مع إقبال لاحدود له، وقس على ذلك.

أما الذي يُقرأ بادئ الأمر فمن رأيي أنّ البدء يكون بالكتب البسيطة، السهلة الفهم، السريعة الهضم، التي تُرغّبُ الإعلاميَّ بالقراءة والتعلم والاطلاع، ولا يُبدأ بالسلسلات والموسوعات والمجلدات التي صُنّفت لِأُناس قطعوا شوطا كبيرا في مجال القراءة، ويفضل البدءُ بالذي هو مرغوب وقريب من عقل وفكر القارىء، فالأهم هو الانطلاق، وتقدير قيمة الوقت، وترك ضياع الفرص .

نهاية المطاف فإننا إن استطعنا أن نبني مثقفا واعيا مُدركا، خيرا من أن نفتخر ببناء ناطحة سحاب هنا أو برج هناك، واكتشاف الثقافة والمثقف أولى من اكتشاف نجمٍ أو صعود لكوكب لا يتم إلا بها، فلا قيمة لفرد أياً كان مكانه أو منصبه أوحالته أو جنسه، من دون أن يرافق كتابا، ويزامل ورقة، ويمسك بيد قلما يوصله بر الأمان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *