Thursday, 14 Nov 2019

أخلاقيات الحوار الإعلامي

د. سمير أكرم الحيالي / إعلامي عراقي

الحوار هو سلوك لا واعي، ولغة يومية نمارسها تلقائياً، حيث نتحاور في كل لحظة سواء مع أنفسنا أو مع المحيطين بنا ومع كل من تتقاطع بيننا وبينه خطوط الحياة، وقد تتطور بيننا وبينهم المصالح أو التناقضات، والحوار منهج إنساني للبحث عن الحقيقة والمعلومة؛ لذلك يجب توظيف الحوار وإدارته لكي يكون مثمراً وإيجابياً، فنهضة أي أمة تعتمد على تعميم أخلاقيات الحوار بين أبنائها.

والحوار من حيث الشكل قد يكون حواراً بين طرفين، أو حواراً بين أطراف، أو حواراً بين شعوب، أو حضارات، وأما من حيث المضمون فقد يكون حواراً فكرياً أو دينياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو سياسياً أو علمياً أو عسكرياً أو غيره.

والحوار هو أعلى المهارات الاجتماعية قيمة، فانتهجه الأنبياء والرسل والعلماء والمفكرون والسياسيون ورجال الأعمال والمربون والإعلاميون وغيرهم، وهو في دلالاته لا يحمل صفة الخصومة والجدال، بل هو وسيلة من وسائل التواصل الإنساني.

إنّ الهدف من الحوار تحقيق حالة من التوازن الإنساني حيث تكمن أهمية الحوار في كسر الحاجز النفسي واكتشاف الآخر وفهم أفكاره ودوافعه، وإثراء الأفكار والانطباعات، مع تجنب تأزيم العلاقة من أجل الوصول إلى نقاط الاتفاق، والحوار هو مادة الإعلام ففي معظم الحوارات لا يقتصر الأمر على أطراف الحوار فحسب، بل غالباً يكون هناك متابعون للحوار، حيث يكون المتلقي الأكثر استعداداً لتقبل الفكرة والرأي الآخر الأكثر اقناعاً من جانب المتحاورين؛ لأنّ المحاور هو المتحدث الذي ينقل آراء الجمهور ويشبع رغباتهم في المعرفة وتقصّي الحقائق، ومن غير أخلاقيات الحوار قد يفقد الإعلامي الكثير من مصداقيته ومصداقية المؤسسة الإعلامية التي يعمل فيها، وقد ينكر عليه البعض كونه مهنياً.

إنّ احترام الرأي الآخر هو تعبير عن رؤية أخلاقية نابعة من جوهر العقل الحواري، فالاختلاف في الرأي هو الجوهر الثابت الذي يقوم عليه الحوار، وهدفه ينبغي أن يكون التفاعل مع الآخر وليس قمعه، أي أنّ على من يقوم بالحوار على اختلاف أنواعه أو مضامينه أن لا يَعتبر المُحاورَ الآخرَ خصماً بل يجب أن يعتبره شريكاً مهماً له رأيٌ آخرُ مغايرٌ لرأيه، فعليه سماع رأيه بإنصات واهتمام حتى يقول فكرته وأن يتفاعل معه بروح إيجابية وعلى مستوى عالٍ من المرونة في الحوار، وأن يلتزم بالقول الحسن ويتجنب أسلوب التحدي والتعسف في الحديث، فقد تفحم الخصم لكنك لا تقنعه.

ومع الأسف الشديد فإنّ الكثير من المؤسسات الإعلامية العربية وخاصة في البرامج الحوارية تعمل على نشر روح التعصب والانغلاق والتشكيك بالآخر والعمل على إقصائه، حتى أنّ هناك مؤسسات إعلامية تعطي الفرصة والمساحة لأشخاص لا يمتلكون أي قدر من المهنية أو الخبرة للعمل في المجال الإعلامي ما يؤدي إلى الوقوع بأخطاء فادحة، فللبرامج الحوارية تأثير عميق في زرع المفاهيم في مجتمعاتنا العربية ومن الأهمية بمكان أن يكون هناك منسقو برامج ومحاورون يتعدى تفكيرهم زيادة كم المشاهدين وينبغي أن يمتلكوا مهارات المعالج النفسي ليصيغوا مواضيعهم بما يخدم المجتمع.

لذلك وفي ظلّ الأزمات التي تمر بها مجتمعاتنا والأخطار المحدقة بها لا بدّ من تشكيل المؤسسة الإعلامية بمجموعة من المبادئ والقيم الموجهة للسلوك الأخلاقي؛ لتكون نواة فاعلة في تشكيل الوعي لدى الجمهور المتلقي والتأثير الإيجابي فيهم، وهذا يتطلب من صانعي الرسالة الإعلامية المهنية أن يمتلكوا المقومات الشخصية الراقية المتضمنة للصدق واحترام الكرامة الإنسانية، والنزاهة، والمسؤولية، والعدالة، دون الحاجة للقوانين والرقابة لتنظيم مهنتهم فهناك الرقابة الذاتية وأخلاقيات المهنة، فأخلاقيات الحوار الإعلامي تؤدي إلى تحسين جودة الرسائل الإعلامية وزيادة قدرة هذه الرسائل على إشباع الاحتياجات الإعلامية للجمهور بما يعزز من مصداقية وثقة الجمهور في المؤسسات الإعلامية وتعزيز دورها في المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *