Tuesday, 20 Oct 2020

فقه الأولويات وتوظيف الإعلام الإلكتروني

د. محسن عبود كشكول / استاذ الاعلام في الجامعة العراقية

 

المجتمع الاسلامي بحاجة إلى فقه الأولويات اليوم أكثر من أي وقت مضى، وهذا المصطلح هو مصطلح معاصر وله جذوره التي ترجع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، فهو فقه يعنى بوضع الأشياء في مراتبها بحيث يكون هناك الأهم ثم المهم، فلا يمكن أن نفعل المهم ونترك الأهم، فيتم وضع الأشياء في مرتبتها من الأحكام والقيم، فيكون الجهاد مثلاً أولى من عمارة وبناء المساجد، وعند تدبر قول النبي صلى عليه وسلم: ( الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ) رواه مسلم . أي أن هنالك شعب وهناك السنن والواجب وهناك الحرام والمكروه، وحتى في المحرمات هناك درجات وهناك أكبر الكبائر، و(اجتنبوا السبع الموبقات) وهذا هو مفهوم فقه الأولويات، الذي ينبغي الاهتمام به لتعديل الخلل في ميزان الأمة الإسلامية، فنجد الاهتمام اليوم ينصب مثلا بين كثير من المتدينين على إقامة الصلاة وتلاوة القرآن والنوافل وصوم النافلة وبناء النافلة وحج النفل، وعندما نتأمل نفقات (حج النفل) لعام 2005 نجد أنه قد كلف قرابة خمسة مليارات دولار بينما 700 مليون مسلم يعيشون تحت خط الفقر، مع أن حج النفل هذا نافلة بينما إعانة المسلمين والفقراء واطعامهم هو فرض، وحسب ترتيب الأولويات؛ يجب مخاطبة من يريد أن يقوم بحج النفل بالتذكير لهم بأنهم يقومون بنافلة؛ وهناك فرائض يضيعونها أهمها تزويج الشباب وإطعام الفقراء والجهاد، وهنا ينبغي ان نفهم تقديم الأولويات، فإذن لا يقدم بناء المساجد ويترك نشر الدعوة إلى الله تعالى وهو فرض، فأين اليوم فروض الكفاية العلم والتفوق الصناعي والتكنولوجي ونحن نعتني بفروع النوافل ونترك الفروض، سواء فروض عين أو فروض كفاية، اليوم البعض يعكف نفسه على المساجد ويصلي صلاة التهجد ويعتني بالنوافل واذا نظرت إلى صعيده المجتمعي عاق لوالديه بشكل أو بآخر ولا يصل أرحامه ولا يتفقد أحوالهم ولا ينصر المظلوم ولا يمشي في قضاء حوائج الآخرين والسبب في هذا هو جهل الأولويات ومهمة المؤسسات الدينية اليوم أن تفرق وأن تميز بين أولويات الأمة على صعيد الافراد والمجتمعات.

وهذه المقدمة تقود بنا إلى أولويات الاستفادة من الإعلام الالكتروني في مجال محاربة الغلو والتطرف والطائفية والدعوة الإسلامية بشكل عام، والتصدي لمنتقدي هذا النمط الإعلامي بعده غير منضبط ومفتوح على مختلف المجالات، والسعي إلى الاستفادة من خدماته التفاعلية بمواجهة من يدعون إلى مقاطعته والانغلاق على استخدامه والاستفادة منه بشكل كامل، ذلك أن الإعلام الإلكتروني اليوم مثله مثل القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية، فهو سلاح ذو حدين يمكن استخدامه بالخير والشر، ولا يمكن غض الطرف عن أهميته، إذ يجب توظيف التكنولوجيا الحديثة واستخدامها لتأمين مصلحة المجتمع، لأنها وسيلة من وسائل التواصل فضلاً عن كونها بابا من أبواب المعرفة العلمية والاجتماعية والفكرية للعلماء المعاصرين، ونجد أن ترتيب الأولويات تستدعي حث الدعاة والخطباء على التعرف إلى كيفية الاعتماد على الإعلام الجديد وكيفية الدخول لاستخدام المواقع الإلكترونية وتسخيرها في نشر الفكر الوسطي، ومن غير المنطقي القول أنه لا يجوز أن نستخدمها لمجرد وجود بعض المواقع التي تستخدم لنشر الرذيلة والترويج للطائفية، أو يجب ان نغلق هذه المواقع والدردشة، فنحرم النشاط الدعوي من توظيف الفيسبوك في عملية التنوير العقلي والاجتماعي، لاسيما أن أعداء الدعوة يكرسونه في الاساءة للإسلام.

كما إننا بحاجة إلى توظيف الاعلام الإلكتروني في عملية التقريب بين المذاهب فإن فقه الاولويات يعمل على ترجيح القواسم المشتركة بين المذاهب، ذلك أننا نعاني على صعيد السنة والشيعة بأننا ننظر إلى الفروع المختلف فيها ونتجاهل القواسم المشتركة، مع أنها هي التي ينبغي أن ننظر إليها وأن نسلط الضوء إليها، وكذلك في موضوع محاربة الطائفية؛ فالطائفية هي أن ينظر الإنسان إلى أن مذهبه هو وحده الصحيح والآخرين على خطأ وقد يكفر الآخرين وقد نستخدم الإعلام لترويج الطائفية بدل ان نستخدمه لاحترام بعضنا البعض، ولفت النظر إلى فقه الأولويات هو تأكيد على أن يمتنع أبناء السنة والشيعة عن نشر مذهبهم بين أبناء الطائفة الأخرى، وأن لا ينفقوا الملايين من الدولارات على نشر الطائفية، بينما يتغافلون عن دورهم في نشر الإسلام بين غير المسلمين، ويمكن وضع أولويات لذلك هي:

1 – إعداد الأئمة والخطباء والدعاة المؤهلين للعمل الإعلامي لقيادة مسيرة التقريب، فضلاً عن تأهيلهم بشكل فقهي سليم من حيث العلم الشرعي والحكمة ونبذهم للانغلاق والتعصب، ذلك أننا بحاجة اليوم إلى علماء ومفكرين ينطلقون من فقه المقاصد والحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل.

2- التعريف في حقيقة السنة والشيعة، ذلك أن جهل ماهية الآخر تبرر العداء له، إذ أن كثيرا من السنة والشيعة ينظرون إلى بعضهم نظرة العداء بسبب جهلهم لحقيقة الآخر، وإن كثيرا من السنة يظنون أن الشيعة يعبدون علي (ع) وبعض الشيعة ينظرون إلى أهل السنة نظرة عداء على أنهم أحفاد معاوية وجنود يزيد وكلهم آثمون, وأن من الشيعة من يسب الشيخين أبو بكر وعمر رضي الله عنهم، ومنهم من يتهم السيدة عائشة رضي الله عنها، إذن نحن بحاجة فعلا إلى تعريف في حقيقة السنة والشيعة لأن المعلومات المغلوطة تشكل عصب المادة التي تروجها القوى المعادية للإسلام، والقوى التي تحتضن الجماعات التكفيرية وتسخرها لتدمير المجتمع الاسلامي، لابد من التصدي لفكر أنصاف العلماء الذين يروجون للمعلومات الخاطئة التي تنطلق من وجود اختلافات كثيرة بين السنة والشيعة، ويتجاهلون أنها اختلافات فرعية وأن هناك قواسم كثيرة مشتركة يجب تسليط الضوء عليها، فنحن نؤمن برب واحد وقبلة واحدة وقرآن واحد، ولدينا هدف واحد هو نشر الإسلام.

3- عقد مؤتمرات دينية خالية من النفس السياسي للتقريب بين المذاهب، والتأكيد على أن الهدف من هذه المؤتمرات الاسلامية ليس أن نجعل السني شيعيا أو الشيعي سنيا، بل أن إقرار الثوابت لكل مذهب، وأن يحافظ كل مذهب على خصوصياته وأن يعرف كل طرف الآخر، وأن يحب الآخر وأن يحترم اختلاف الآخر في مختلف الامور، وأن يتجه العمل إلى وحدة الصف الإسلامي، ودحر قوى الارهاب والتطرف التي تتكالب على الأمة.

1 thought on “فقه الأولويات وتوظيف الإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *