Sunday, 25 Oct 2020

تواصل أم انعزال

محمود القيسي

رئيس رابطة الإعلاميين العراقيين في الخارج

 

رغم أن المُسمّى مقرون بكلمة الاجتماعي فإنّ هذه المواقعَ على اختلاف تسمياتها ومسمياتها والخِدمات التي تقدمها من تواصلٍ كلامي وصوري وتصويري أحاطتْ كلَّ فردٍ منّا بسورٍ عازل، وفصلته في جزرٍ متباعدة لا نسمح لأقرب المقربين إلا برؤية ما نشاء وقت ما نشاء.

في أحد الأفلامِ الأمريكية أصرت اثنتان من الأخوات المُسنات على عدم الاستفادة من خدمة الهاتف، متعللتين بأنّ من يريد أن يعرف أخبارنا وصحتنا وما نحتاج له فليأتِ ويطرق الباب لنستضيفه ونقدمَ له ما لذّ وطاب، ويشاركنا في تفاصيل يومنا، فهُما وكثيرٌ ممن عاش قبل ظهور الوسائل الحديثة أدركوا أنّ هذه التقنيات على الرغم من أثرها الكبير وأهميتهِا فإنّها لا تعوّض لحظةَ اجتماعِ الأهل على مائدةٍ واحدةٍ لتناول وجبةِ العشاء، بعد يومٍ حافلٍ تُحكى تفاصيله وتُناقش معضلاتُه وتُروى لطائفه وابتسامته وضحكاته أو حتى دموعه وعبراته.

وسائل التواصل الاجتماعي أخذتْ ممّن أدمنَها الكثير، وحرمته الكثير من متع الحياة الاعتيادية، بل أصبح إدمانها والهوس بها من الأمراض المستعصية والبائسة، فلقد لاحظ أحد المتخصصين في الشؤون الاجتماعية لدى زيارته عدداً من المؤسسات أو التجمّعات أنّ ثلث الموجودين في معظم الحالات لا يرفع رأسَه ليتعرّفَ إلى من حوله، فرأسُه المحنيُّ فوق جهازه تُحيطه بهالةٍ من الانعزال، فلا هو نظرَ لمن يجلس بجواره وكسرَ حاجزَ الصمت ونال فرصةَ التعارف مع أصدقاءَ وزملاء، ولا تجرّأ منْ يجلس بجواره أن يقاطع خلوتَه مع جهازه.

أضف إلى ذلك ضياع الوقت وتسلله من بين يدي المدمنِ على وسائل التواصل الاجتماعي، فنجد الكثيرين منهم يُمضي الساعاتِ تلو الساعات يتحدث مع أشخاصٍ غرباءَ لا تربطه بهم صلةٌ على حساب أسرتِه وذويه، بحجة التعرفِ إلى اشخاصٍ جددٍ ذوي أفكارٍ وميول منوّعة.

المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعيّ على الرغم من فوائدها المتعددة أنّها لاتضيف إلى رصيد الفرد الكثير، فجولةٌ في إحدى الكتبِ وسياحةٌ في فكر عالمٍ لها من التأثير الإيجابيّ ضعفُ ما قد يحصل عليه أحدُنا بعد يومٍ كاملٍ من الدردشة وتبادلِ الأخبار العادية.

لوحظ في الفترة الأخيرة أنّ الدول الغربية على عمومها دفعت بحملاتٍ ترويجيةٍ منوعة تنصح بالتقليل وتقنين استخدام وسائلِ التواصل الاجتماعي، في دعوةٍ لرفع رأس الفردِ والنظر إلى ما حوله وملامسةِ الحياة بشكل عملي، لا بالنظر إلى الصور المخزونةِ في الجهاز، جاء ذلك بعد تفشي حالةِ الانعزال وتزايدِ عددِ الأشخاص الذين لم تعد لهم القدرةُ على الحديث المباشر مع من حولَهم، فقد سُجلت مئات الحالات لأفرادٍ يبدعون في الكتابة والتواصل من على أزرار لوحةِ المفاتيح، في حين يجهلون كيفيةَ التواصل والتجاوب مع الأشخاص القريبين منهم أو الذين هم على احتكاكٍ مباشرٍ بهم، كما أنّ الكثير من مدمني مواقع التواصل الاجتماعيّ مصابون بنوعٍ من الإحباط نتيجةَ مشاهدتِهم صورَ أصدقائهم الذين يسافرون ويتمتعون بساعاتٍ جميلة في أجمل المناطق السياحية، علماً بأنّ هذه الصورَ لا تعني بالضرورة السعادةَ التي توحيها لهم، فهم كما أشرنا سابقاً يسمحون لنا برؤية ما يشاؤون وقت ما يشاؤون.

أما في عالمنا العربي وفي العراق على وجه الخصوص، فلقد كان لهذه التقنيات أثرٌ في نشر الكثير من الأفكار الخطيرة، بعيداً عن رقابة الأهل ومحاسبتهم، لكننا كالعادة بعيدون من حسابات حكوماتنا المشغولةِ بحروبٍ على أهميتها إلا إنها تُعدّ جانبيةً لما قد تواجهه في المستقبل القريب من مواطنيها الذين تُصقل شخصياتُهم ليكونوا إنساناً مسخاً مصاباً بكمٍّ لا بائس به من الأفكار المنحرفةِ والإلحاد والتخبط بين الشرق والغرب.

وبما أنّ المناهجَ الدراسية الموضوعة لم تأخذ بعين الاعتبار كلَّ هذه المسبباتِ المؤثرة في تكوين الشخصية وجهلِ الآباء وقلةِ درايتهم بتكنولوجيا المعلومات، فسيؤدي إنْ لم يتداركوا هذا الأمر إلى عواقبَ وخيمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *