Tuesday, 20 Oct 2020

عصر الإعلام الجديد

صفاء الحصان

 

ينافس اليوم قطاع التلفزيون خصماً شرساً أخذا بتحويل الجماهير إليه بكثافة تجعلنا نجزم أننا ندخل عصر الإعلام الجديد واقتراب عهد التلفزيون بمفهومه التقليدي المرتبط بانتظار موعد برنامج معين أو نشرة إخبارية أو مادة فلمية من النهاية، إذ إنّ أرقام المتابعة تشير إلى تقلّص نسب مشاهدة الشاشات الصغيرة التي ارتبطت طويلاً بالتشويق والجديد ومواعيد البث بأخرى أصغر ونتحدث هنا تحديداً عن شاشات الأجهزة الذكية التي نقلت المستخدم من مرحلة انتظار مواعيد البث حسب الجدول البرامجي المعدّ مسبقاً من قبل إدارة البرامج في أي محطة في موعد محدد خلال اليوم إلى مرحلة تنظيم قوائم المشاهدة حسب رغبته الخاصة بمنتهى الاستقلالية بعيداً حتى عن عالم الدعاية والإعلان الذي يقاطع انتباهه.

الدراسة التي صدرت في جامعة هارفرد قبل خمسة أعوام (2009) حول نهاية عصر التلفزيون أصبحت واقعاً اليوم، قال حينها دوك سيرلز من مركز بيركمان للإنترنت والمجتمع “أنا واثق أننا في غضون خمس سنوات من الآن مقبلون على نهاية التلفزيون كما نعرفه الآن” وفي الحقيقة لم يعد للتلفزيون ذلك الدور المهم في حياة عموم الناس اليومية في وقت أصبح فيه تدفق الأنترنت عبر مختلف الشبكات متوفراً وسريعاً جداً مثل تدفق المياة والكهرباء.

كيف وصلنا إلى ذلك؟

لا بد أنّ عصر الإعلام الجديد لم يأتِ من فراغ بل مهد له خلال العقدين الماضيين تدريجياً انتشار الأنترنت الواسع حول العالم مع ازدياد متوسط سرعة الأنترنت عالمياً عاماً بعد عام ليصل في العام 2016 على سبيل المثال إلى زيادة بنسبة 23% أي إلى 6.3 ميجابت في الثانية وفقًا لتقرير الإنترنت الفصلي الذي نشرته شركة أكامي “Akamai” -كامبريدج ماساشوستس في الولايات المتحدة- المُقدمة لخدمات الأنترنت فإنّ المنافسة أصبحت أكثر احتداماً حول جذب المتابعين عبر مواقع الأنترنت المختلفة من خلال المحتوى التفاعلي ذي الصبغة المتجددة والجذابة، بعيداً عن تقليديةٍ أودت بالتلفزيون إلى التعطّل والجمود وقوفاً عند مرحلة لن يجتازها طالما حافظ مزودو الخدمة من أصحاب القنوات ومالكي قطاع الإنتاج الإعلامي على ذات نمطية التفكير.

ماذا لو فكر الجميع بالانتقال إلى الباقات المشفرة؟

مع حدوث موجة أخيرة من نزوح عددٍ من القنوات العربية التي تحظى بمتابعة جيدة نحو باقات التشفير منها ما يختص بالرياضة ومنها ما يختص بالترفيه والأطفال لاسترداد جزء من أموالها المنفقة على الإنتاج فإنّ السؤال الذي يجب أن يُطرح الآن ماذا لو فكرت غالبية القنوات بالتشفير؟ وماذا ستقدم قنوات الخدمة العامة الحكومية وعن أي محتوى سوف نتكلم حينها؟ أسئلة تحتاج إلى توقّف لكن لا إجابة حتمية عليها الآن، إذ إنّ زيادة التشويق والإنتاج تعني مزيداً من الكُلف وذلك يعني احتياج موارد جديدة لرفد المحطات لتعويض رؤوس الأموال التشغيلية القائمة على تلك القنوات وهذه الدائرة تعيد نفسها (مال- إنتاج-إبهار-توزيع-مال) بلا نهاية مع استمرار جذب المتابعين، الخيار هو كيف يمكن دخول دائرة الإنتاج هذه بأفضل النتائج وأقل الكلف.

هل يمكن الاستغناء عن التلفزيون مستقبلاً؟

كله يتعلق بمميزات هذه الشاشة الصغيرة والتركيز على مميزاتها، وتوظيفها بشكل يدفع عجلة الاستثمار فيها مجدداً، ولعل من أهم ما يعيد للتلفزيون بريقه هو عنصر الإبهار البصري وعنصر التنويع والتجديد الدائم وسلاسة الوصول إلى المحتوى المطلوب في الوقت الذي يحدده المتلقي، ولعل ذلك أبرز ما يميز القنوات الخاصة وأقصد هنا المشفّرة منها، الأمر الذي يعني الكثير من النفقات والاستغناء عن قطاع الدعاية والإعلان الجشع باتجاه تعويض ذلك من جيب المتلقي للخدمة، لكن ماذا عن القنوات الرسمية والتي تشكو أصلاً ضعفاً في التمويل والإنفاق على برامجها وتجديد هويتها البصرية التقليدية واستديوهاتها ومعداتها القديمة التي لا تواكب أحدث منتجات التقنية من كاميرات وفنيات إضاءة وديكور وغيرها، هل يعني ذلك أنّ المتلقي سيدفع ليتابع القنوات الخاصة أو أن يتلقى الخدمة العامة الرديئة أو لنقل الأقل جودة مقارنة بالقنوات الخاصة؟ أم أنه إجبار غير معلن للمتلقي للذهاب نحو الخيار الثالث.. الأنترنت؟

لعله إذاً وصولٌ حتميٌ لما بدأنا الحديث عنه.. إعلان وفاة التلفزيون ربما، حيث إنّ البديل رخيص متوفر سريع جذاب متجدد وغير تقليدي ويمنح فرصة الخصوصية العالية جداً في المشاهدة والمتابعة على مدار اليوم ألا وهو الإعلام الجديد بكافة تطبيقاته وتطويعه للأنترنت وتقنيات الهواتف الحديثة التي امتلأت بآلاف التطبيقات الجذابة التي تأتي بمحتوى التلفزيون إلى شاشة الهاتف الذكي، إضافة إلى كل ما ينتجه رواد الأنترنت الجدد من الشباب المبدعين من محتوى مليء بالإبهار والأفكار يحاكي احتياجاتهم، ويطرد عنهم شبح التقليدية والملل وربما الكلفة العالية في الوصول إلى المنتج المميز، يجدون أنفسهم فيه ويعبّر عنهم، ما ينبىء عن اكتفاء هذا الجيل بعالمه الخاص عبر الشاشات المحمولة بكف اليد.

الحلول المناسبة ليست مقتصرة على عدة خيرات فقط لكن من أهمها أن يتوجه صنّاع التلفزيون إلى هؤلاء الشباب المبدع البارع في إيصال فكرته وهويته ورسائله بإسلوب جديد وجذّاب وبسيط في الوقت نفسه بدلاً من منافستهم، ففرص الإبقاء على التلفزيون لمدة أطول على حالته هذه دون تجديد باتت أضيق بحكم التسارع الذي تشهده ساحة التقنية والتكنولوجيا يومياً، والتي تعد الساحة الأولى للتنافس بين دول العالم الأول من حيث تحقيق السبق في الوصول إلى المنجز العلمي الأحدث والتقنية الذكية ذات الكلفة القليلة.

2 thoughts on “عصر الإعلام الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *