Tuesday, 20 Oct 2020

الطوفان الإعلامي

عبد الله النعيمي

يقف الفرد في يومنا هذا محاطاً ببيئة مملوءة بمواد إعلامية مختلفة متنوعة ومتسعة، فبعد أن بدأ الإعلام بصورة كلاسيكية على شكل جرائد ومجلات، أخذ بالتطور إلى المذياع والتلفاز، ثم ازداد شكل تطوره باستحداث شبكات الإنترنت والمدونات والمنتديات والصحف الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي.

خط سير التطور هذا شكل مصدر قوة كبيرة للإعلام تفوّق بها على علوم كثيرة، الأمر الذي دفعنا إلى تناوله بشراهة سواء علينا أأخذناه بوعي أم بغير وعي، وذلك لإشباع رغبة أو تحقيق هدف، ومقالي هذا سأشطره إلى نصفين، الأول منهما عن قوة الإعلام، والآخَرُ سيكون الهدف والمغزى من التعرض له.

فقوة الإعلام تتدفق إلينا عبر منابع عدة، أبدؤها (بالتنوع) الذي يغذي حواس الإنسان المختلفة، كالمقروء والمسموع والمرئي، فهذا التنوع يجعل الإعلام متاحاً حتى لذوي الاحتياجات الخاصة الذين أصبحوا لا يواجهون مشكلة مع وجود مصدرٍ كهذا، وثاني تلك المصادر يتجسد بـ (التفاعلية) التي تُمَكِّن الفرد من الاستقبال والتحليل، ومن ثم الرد برأيه على المضمون الذي تلقاه، فلم يبقِ هذا المصدر مجالاً للاستسلام إلى الرسالة المُستقبلة، أما الثالث فهو (لفت الانتباه) وجَذبُه بوجود أحدث التطورات في عالم الإخراج والمونتاج التي تضفي بدورها عوامل التشويق والإمتاع والإقناع، والقوة الرابعة تتمثل بـ (الكثرة) من حيث عدد القنوات ووفرة المواقع، وكذلك عدد ساعات البث التي غالبا ما تكون على مدار ٢٤ ساعة، أما خامس القوى فمشتركة بين (سهولة الاستخدام والخصوصية) ففي كل بقعة من بقاع المعمورة يشاهد الفرد أيّة قناة أراد، ويتابع أيّة إذاعة أحب، ويتصفح المواقع والمنصات التي يفضّل، كل ذلك يكون بخصوصية وإن كانت الى مستوى معين، والقوة السادسة التي أختم بها هذه المصادر هي (النفاذ) التي تعني لغويا (الدخول) والانفتاح على العلوم الأخرى التي أصبحت شبه مقيدة بسلاسل الاعلام، فأحاط الإعلام بها من الجهات الثمان، فلم يبق علم إلاّ وشرحَ أو كتبَ أو صوّرَ أو أنتجَ الأعلامُ عنه .

هذه القوى جعلت الإعلام ينتشر انتشار النار في الهشيم، فدخل البيوت والمؤسسات والدوائر والمقاهي كلها، فكوّن لدى الناس أهدافا لمتابعته بشكل مستمر وشبه يومي لـ:

زيادة نسبة وحصيلة الثقافة العامة والمتخصصة، ونأخذ مثالا حول الإعلام الإلكتروني، من خلال الدخول إلى منصات كـ YouTube، Facebook، أو غيرهما الكثير من المواقع التي تثري عقل المستخدم بشتى أنواع المعلومات والمعارف الحديثة والقديمة.

تحديد السلوك، أو التحكم بتصرفات الفرد وردود أفعاله إزاء الأحداث اليومية والإعلانات والمسلسلات وأخبار الاقتصاد والرياضة والحالة الجوية وغيرها.

اختصار الوقت والجهد، فوسائل الإعلام قادرة اليوم على توفير رغبات الفرد والمجتمع بأقل جهد وأقصر وقت، فبدلا من أن تُضطر إلى مشاهدة قناة أو قناتين كما الحال في السابق، أصبح اليوم لكل علم أو تخصص قناة.

العيش خارج إطار الروتين، الذي يعد من أكثر الأهداف انتشارا اليوم، للترفيه والمتعة، والخلاص من الملل الذي تسببه الوظيفة أو غيرها من الأعمال، وكذلك الابتعاد عن العُزلة، فعند متابعة برنامج أو شخصية ما، يشعر الفرد عادة أنه يحاكي ويتفاعل مع الأشخاص المُطلّين من الشاشة الصغيرة.

الهروب من الواقع للعيش في عالم افتراضي بعيدا عن ضغوطات الحياة ومصاعبها ومشاغلها، فلا غرابة في وجود احتياجات هروبية أو أهداف للفرار والمناص من الحقيقة، ولا سيما بعد انتشار الهواتف الذكية وتطبيقاتها.

كل ذلك جعلنا ننفق ساعات طوالاً لا حصر لها متعرضين بشراهة لشاشة التلفاز أو لشاشة أصغر (الهاتف)، فقد أثبتت الدراسات أنّ الفرد العربي قبل الثامنة عشرة من عمره يكون قد بذل أوقاتا على وسائل الإعلام أكثر من تلك التي قضاها في مدرسته، ومن الطبيعي أنّ السلبية والإيجابية لا تنقص المادة المعروضة تلك، سواء بالطريق المباشر أم غير المباشر، أما أنت عزيزي القارئ فالأمر بيدك، تمحص وتحلل وتستنتج ما شئت ورغبت، فمالِكُ المؤسسة لن يكترث لأمرك إن تأثرت سلبا أو إيجابا، همّهُ الأكبر تسويق مادته وانتشارها الذي يعود عليه بالربح الذي خطط له مسبقا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *