Tuesday, 20 Oct 2020

المراسل الحربي ومراسل الميدان

حسين دلي / صحفي في قناة الجزيرة

تشكل مهمة الصحفي على الأرض وسط الحروب أو الأحداث المهمة على المستوى السياسي والجغرافي؛ أمراً بالغ الأهمية، ويتطلب التمتع بصفات معينة وقدرات خاصة مع توفر إمكانات لوجستية؛ كي تُنجز التغطية بالشكل المطلوب بما يخدم الهدف وينقل الصورة من نقطة الحدث إلى العالم بصورة توفر زوايا كافية ليفهم المشاهد ولو بالحد الأدنى أبعاد الصورة ويُكوّن عنها فكرة شاملة.

وفي بلدان مثل العراق وسوريا واليمن ومصر والصومال وحتى في أفغانستان وباكستان، قد يصعب تطبيق القواعد الصحفية، إذ لا تُراعى مواد القانون الدّولي ولا يحظى الصحفيون بالاحترام الكافي، بل إن كثيرا من أطراف الصراع تعدّ الإعلاميين أهدافاً مشروعا ومحتملة، حتى إن بعض الجماعات المتطرفة تحسبهم جواسيس وأطرافا معادية يشرُع استهدفها.

فضلا عن ذلك فإن حوادث إطلاق النار والتفجيرات في الدول الغربية تحتاج مهارات خاصة، إذ أن فهم الخلفيات الإخبارية يجنب الوقوع في فهم خاطئ وصورة مغلوطة قد تؤدي بصاحبها إلى السجن بسبب فوبيا الشك والخوف الذي أحدثته إفرازات الأحداث في الشرق الأوسط وانعكاساتها، فضلا عن مساهمة بعض وسائل الإعلام الغربي في إبرازها بصورة انتقائية عنصرية.

ولأن العمل الإعلامي كبقية المهن هو ابن التطور والاكتشافات بل هو وليد عصر السرعة والتقنية؛ فلا شك أن مواكبة الحدث تستدعي المحافظة على التنافسية اللازمة للبقاء في ركب القنوات ووسائل التواصل الاجتماعي المتفوقة أو التي تحتل الصدارة عالميا، وأن يوطّن المراسل نفسه على عدم إبداء الآراء الشخصية بشأن الأخبار، فوظيفة المراسل هي توفير سياقات واضحة موضوعية حول الأحداث، ونقل الحقائق دون رتوش أو همز ولمز يحرف الأخبار عن مسارها الطبيعي.

ويدخل في التغطيات الميدانية التقارير الاستقصائية التي باتت من أهم معالم الإعلام الجديد بحكم أهميتها للشارع وحجم تأثيرها الواسع في كشف الفساد وصلات بعض الدول الكبرى بملفات شائكة، بعد أن تسببت بعض هذه التقارير باستقالات رؤساء ووزراء ومدراء شركات عالمية أو إثارة ضجة عالمية مثل ما أثارته وثائق ويكليكس وجوليان أسانج وتقارير نيويورك تايمز وواشنطن بوست عالميا، وحتى الجزيرة في عالمنا العربي في السنوات الأخيرة، والامثلة كثيرة.

على أن أبرز ما ينبغي أن يتسلح به الإعلامي يندرج تحت قواعد أو ضوابط مهمة لا يمكن الاستغناء عنها وأهمها:

الأولى: المهارات الشخصية من سرعة البديهة وسلاسة التعبير والإلمام بظروف الحدث وخلفياته وتاريخه مع وجوب الحرص على القرب المكاني والأسبقية في الحصول على الصورة والمعلومة، بالتواصل مع أطراف الحدث دون أن نغفل التمكن من اللغة العربية السليمة تحدثا وكتابة.

الثانية: تعلم إجراء الإسعافات الأوليّة للمراسل والصحفي ولمن حوله، واختيار المكان الآمن للتصوير، والتعامل مع اللّحظات الحرجة كحالات الاختطاف وأمثالها.

الثالثة: عدم التهاون مع المتطلبات الأمنية ومنها التزود بعدة الوقاية من الدروع وخوذ الرأس والتنبه لضرورة الانخراط مع المدنيين في حال حدوث قصف أو إطلاق نار، فالحرص على السلامة الأمنية بات مطلبا يفوق أهمية الحصول على الخبر.

الرابعة: القدرة على التخفّي والتفكير في الانتَساب إلى وكالات عربية وأجنبية توصف بالحيادية أو تمنح نسبة من الأمان وهذين الأمرين يستلزم مساعدين وشركاء محلين من الميدان عند الضرورة الملجئة والخوف على الحياة.

الخامسة: الانتباه إلى عدم حمل السلاح والاستعانة بفرق حماية عند الظروف الحساسة، وارتداء ملابس لا تشبه ملابس الأطراف المتنازعة ولا تثير الريبة، مع ضرورة توافر مترجم وتعلّم بعض المصطلحات المحلية باللّهجة المحلّية، ومعرفة المنطقة جغرافياً حيث يكون معرفة أمن الطرق للتحرّك والهرب وأماكن توافر الخدمات الطبيّة مسألة حياة أو موت تعتمد على دقائق معدودة أحيانا.

الخامسة: إنشاء حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي وخصوصا فيسبوك وتويتر، ومعرفة تطبيقات البث السريع والمباشر، ومونتاج الصور، وإجراء التدريب المسبق على هذه التطبيقات مع التزود بآليات ووسائل البث عالية الجودة عند توفر الظروف والأموال اللازمة.

السادسة: التحوط وسرعة إبلاغ إدارة القناة من قبل الفريق في حال تعرض أحد أعضائه للاختطاف او الإصابة أو حتى الموت لا قدر الله، وينبغي أن توضح عناصر الخطورة لكل الفريق، وان تكون عقود العمل ضامنة لأن تبادر القنوات والجهات المالكة بمراعاة الحقوق المادية لكل أعضاء الفريق.

وأخيرا وليس آخرا، يمكن ان تساعد دورة تدريبية من قبل القنوات لفرقها في تجنيب أفرادها كثيرا من المشاكل وتحميهم من غوائل الأحداث وتمنع الحيف عنهم، وأن توصل وسائل الإعلام رسالة لكل مفاصل التغطية الخبرية أن سلامة الفرق مقدمة على وصول الخبر أو الحصول على الصور، وان تحرص في الوقت ذاته على الثقة في مراسليها وعيونها في الميدان وأن توفر لهم كل ما يلزم وتعطيهم الحقوق التي لا تقلل من شأنهم بين أقرانهم في الميدان.

1 thought on “المراسل الحربي ومراسل الميدان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *