Wednesday, 21 Oct 2020

أنسنة الإعلام

د. زيد عبدالوهاب

لعلَّ العنوان مبهم، أو يُقرأ خطأ، وقد يظن آخر أنه فلسفي زيادة، لكن قصدي وببساطة هو: أن تجعل الإنسان المادة الخام في الإعلام وهدفها الرئيسي، فتلك هي “الأنسنة”، فإن أدركنا المفهوم نبدأ النقاش بطرح أسئلة مهمة، لماذا؟ وكيف؟

لماذا الأنسنة؟

تصاغ السياسات الإعلامية ورسائلها الفرعية للجهات الراعية للمؤسسة من منطلقات فكرية، تشبه إلى حد كبير المناهج الحزبية للجماعات السياسية التي من أدبياتها وأهدافها الرئيسة هو الوصول للسلطة، مستعينة بمفاتيح شعبوية واجتماعية مختلفة، وواحد من تلك “الوسائل” هو الإنسان، ليس في كونه هدفا أو غاية، بل لكونه سُلَّما من سلالم الصعود الانتخابي الذي تنتهي صلاحياته مع إغلاق صندوق الاقتراع، وكذا هو الإعلام الذي حوّل الإنسان من غاية وهدف، إلى وسيلة تسويقية إعلانية، كرقم للمتابعة والتنافس واستعراض عديد المتابعين، وليس قضية عنوانها الأول الإنسان، فهو من الناحية الاعتبارية يعد حطب القضايا وتفاعلاتها.

اُنظر لأخبار النزوح والمهاجرين والانتهاكات والتفجيرات والكوارث الطبيعية والثورات والمعتقلات والنزاعات والأقليات، هي قضايا تتصدر الإعلام ومحركها الأول والأخير هو الإنسان، ولكن هل يجعله الإعلام أولوية؟ أولوية التشخيص والمتابعة ودراسة التداعيات والبحث عن حلول؟ أم لكونه من أدوات الضغط والتصعيد كمناسبة تنتهي بانتهاء الحدث.

لا تدرك العديد من المؤسسات الإعلامية ولا سيما في الشرق الأوسط دورها الحقيقي الذي ينبغي فعله في الميدان الإنساني، فقد دخلت سوق السباق الإعلاني وتحولت إلى دكاكين سياسية ترى أنّ الإنسان سلعة، دون أن تعلم أن جوهرها هي “جهات ضغط ومصالح” interest & pressure groups تستطيع قلب الطاولة في مجتمع ما إذا أرادت التحرك صوب ملف تجتهد به، كنماذج المؤسسات الصحفية والمجتمع المدني NGOs الصاعدة والفاعلة في المجتمعات الديمقراطية التي تعطي للإنسان أولوية، ويمكن ذلك إذا ما “أنسنت” تلك المؤسسات سياساتها وأهدافها وانعكاسات ذلك على محركاتها الإعلامية.

وتعود هذه المعضلة الأخلاقية في فوارق المؤسسات الإعلامية الغربية عن الدكاكين الشرقية تجاه أنسنة القضايا الإخبارية، إلى المنظومة القيمية values التي تحكم المجتمعات وانعكاساتها على العمل الصحفي، حيث تُخضع مفاهيمُ حقوق الإنسان وحرية التعبير عن الرأي والديمقراطية قواعدَ صياغة الرسائل والسياسات الإعلامية، بينما تُكتب المنظومة القيمية عند الإعلام الشرقي من لدن منظومة قيم الفرد المالك للمؤسسة، فتكون أميل إلى الهوى والفردية وضيق الأجندات وفئوية الفكرة التي يُؤْمِن بها الفرد ومرجعيته السياسية.

وكيف الأنسنة إذا في ظل هذه التحديات؟

هناك حاجة ماسّة إلى وسائل وأدوات إعلامية متخصصة، بوكالات أنباء وإذاعات وقنوات تلفزيونية محلية دولية، ومجلات تولي ذلك شطرا معقولا من اهتمامها لهذا الجانب الإنساني، ولجملة أسباب:

الإعلام العام لا يغني عن الإعلام المتخصص، فكما أنّ هناك قنوات تلفزيونية إخبارية أو منوعة، فثمّة قنوات للرياضة وللفن والتراث، وهكذا، حيث يستقطب الإعلام المتخصص جمهورا نوعياً خاصاً من أصحاب العلاقة والاهتمام.

غالبا مايكون الاهتمام الإخباري من قبل وكالات الأنباء الدولية والقنوات الفضائية العالمية والمحلية في الأزمات كالحروب مرتبطاً بالأحداث السياسية وممتزجا فيها، كما يكون لحظيا ومركِّزاً على أوج النكبات الإنسانية ولحظاتها وأيامها الأولى، كالكوارث الطبيعية من زلازل وأعاصير وفيضانات ونحوها، دون ملاحقة تأثيراتها المأساوية بعد ذلك إلا بحدود قليلة.

مقارنة بالإعلام العام فإن الإعلام الإنساني أكثر مراعاة للمواثيق الأخلاقية المتعارف عليها عند تغطية الموضوعات الإنسانية، أو نشر صور من الميدان؛ حتى لا يُحدِث ضرراً أكبر للمجتمع المتأثر بالكارثة الإنسانية.

تعزيز التغطية الإعلامية الإنسانية وضمان استمراريتها، لتشمل دولاً وقضايا قد لا ينتبه لها الإعلام العام، أو يهملها، أويهمشها لصالح ملاحقة غيرها من المواضيع الأخرى، الساخنة على الساحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *