Friday, 30 Oct 2020

نظرية المحاكاة

مروة صلاح

 

أصبح البحث العلمي في وقتنا الحاضر واحداً من المجالات الهامة التي تجعل الدول تتطور بسرعة هائلة، وتتغلب على كل المشكلات التي تواجهها بطرق علمية، ومرجع ذلك أن تأثير البحث العلمي في حياة الإنسان ينبع من مصدرين أولهما؛ يتمثل في الانتفاع بفوائد تطبيقية حيث تقوم الجهات المسؤولة بتطبيق هذه الفوائد التي نجمت عن الأبحاث التي تم حفظها باستخدام المدونات وتسهيل نشرها بالطبع والتوزيع وطرق المخاطبات السريعة التي قضت على الحدود الجغرافية والحدود السياسية في ظل هذا التطور السريع في وسائل الاتصال، والثاني يتمثل في الأسلوب العلمي في البحث الذي تبنى عليه جميع المكتشفات والمخترعات هذا الأسلوب الذي يتوخى الحقيقة في ميدان التجربة والمشاهدة لا يكتفي باستنباطها من التأمل في النفس او باستنباطها من أقوال الفلاسفة فالهدف الأساسي للبحث العلمي في مجالات المعرفة المختلفة يتجلى في الوصول إلى المعرفة الدقيقة والبحث عن أسبابها ومعطياتها وذلك من خلال التقصي الموضوعي للظاهرة موضوع البحث الذي يمكن أن يتم من خلال إما البحث العلمي النظري أو البحث العلمي التطبيقي للوصول إلى معرفة دقيقة.

فجاءت هنا الحاجة الملحة إلى ابتكار طريقة لوضع المتلقي في قلب الحدث ونقله من قارئ غير مطلِع إلى مشاهد مُلِم بكل تفاصيل الموضوع وذلك بتصوير رؤيا أكثر وضوحا لمادة مفهومة لدى جميع الفئات من أقلهم تعليما إلى عليا المراتب العلمية التي وصل إليها الإنسان وبذلك نكون قد وفقنا بأن نجعل المعلومة ملكا للجميع، وعدم اقتصارها على فئة معينة متمثلة بأشخاص من ذوي الاهتمام بالبحث العلمي وبذلك أيضا نكون قد قدمنا رافدا لصانع القرار بمواد تعكس البيئة بصورتها الحقيقة الموضوعية الواقعية بعيدا عن الصورة المخلوطة التي تصل لصانع القرار في كثير من الأوقات وتغيبه عن الحقيقة وتزيفها أمامه.

فللإعلام دور في ارتقاء المرء ومجتمعه ودفعه للاحترافية في التعامل مع الجمهور والتأثير في الرأي العام وصولا إلى الهدف الأسمى وهي أن يكون فردا فاعلا ومؤثرا تأكيدا على دور الأدوات الإعلامية في مجال إعداد القادة (تكوين الفكر المجتمعي) فقد شهد العلم تطورا في ميادين مختلفة إثر التطور التكنولوجي السريع أو ما يسمى بالثورة التكنولوجية (ثورة العصر) وذلك لأنّ الإنسان المُلهم الأول والحديث عن قضاياه واهتماماته عبر الكلمة والصورة ورفع وعيه بالآخر وما يدور حوله من عوالم وأفكار وسياسات وتطورات عن طريق الصياغة الفنية للمادة العلمية أي المكتوبة ضمن أسس وضوابط المنهج العلمي للبحث من فرضية وأسئلة ونهاية بنتائج وتوصيات في عرض أسمى أهداف النظرية وهي رفع القدرات لدى المتلقي لفهم مايجري حوله وتبادل الخبرات وجعلها أداة تطويرية في ظل التغيرات الحاصلة في المشهد الإعلامي العالمي والتطورات التقنية في وسائل الاتصال الحديثة والسرعة في انتقال المعلومة عن طريق وضع المتلقي في قلب أحداث وقصص شيقة ومثيرة تخدم هدف الدراسة الحقيقي عن طريق إعطاء صورة بانورامية شاملة عن القضايا ذات الاهتمام بطريقة شيقة ومثيرة سعيا للوصول إلى إعلام تثقيفي يخدم الإنسان وبيئته برؤية حضارية ذات رسالة وروح تنشر الأمل وتشيع ثقافة الفهم والإلمام بكل ماهو حولنا وزيادة التواصل والتفاهم بين الشعوب والحضارات؛ ليتعرف على العالم من حوله والقضاء على تلك الفجوة ما بين الشرق والغرب بمعنى أدق ضمن معالجة المادة الواقعية (العلمية) التي قد تبدو أحيانا مملة وغير مثيرة إلى مادة فلمية درامية تثير المشاهد وتؤثر به ويتأثر بها وذلك عن طريق التركيز على أبجديات اللغة البصرية فلهذه اللغة الأثر الأعم والأشمل في إيصال رسالة معينة للمتلقي والتأثير برأيه أيضا وبصورة واضحة وملموسة.

فهذا النوع من الأفلام يعتمد على الحقيقة التي تنتج سجالا بصريا عن طريق عرض تقدمه للمشاهد (الدليل البصري) فالباحث هنا هو صاحب الرؤيا ومايسترو تتناغم العناصر العلمية والفنية بين يديه يجسد الواقع والحقيقة بصورة أكثر تعبيرا وتأثيرا بالمتلقي وهو مايسمى بمحاكاة المادة الواقعية (العلمية) بصريا بعرض فيديو (فيلم) غير خيالي يخبر المشاهدين بمعلومات تعليمية عن أشياء غير معروفة قد توصَّل لها الباحث واُخرى تحكي قصصا عن أشخاص أو أحداث لإقناع المشاهد وذلك بتسليط الضوء على حدث أو ظاهرة غير معروفة للجمهور العادي أملا في إحداث ردِ فعل اتجاهها فبتجسيد الأحداث نصل إلى تحقيق المصلحة العامة فهي تؤثر بالجمهور وتعلمهم شيئا جديدا، فهذه اللوحة الفنية تجسِّد الواقع باستخدامهما له كمادة خام في عرضه وصولا لمعالجته فهي لا تكتفي بالتأثير به فقط وبذلك تكون قد اتخذت من المادة العلمية اللبنة الأساسية لصناعة الأفلام الوثائقية فأسلوب المحاكاة هو الأسلوب العلمي الذي شمل كافة التخصصات العلمية البحتة والظواهر الإنسانية الذي امتاز بالعديد من الخصائص والمميزات التي تجعل منه أداة لبناء صرح علمي حاضر ومتميز يرفد الباحثين وصُنّاع القرار بمعلومات تمتاز بالدقة والموضوعية بأقل تكلفة ممكنة

ولو رجعنا إلى تاريخ نظرية المحاكاة فهي أول نظرية ظهرت في التاريخ الإنساني المدون في القرن الرابع قبل الميلاد أصولها عند أفلاطون وبلورها أرسطو (محاكاة الموجودات الحسية إلى صورة بصرية مرئيّة فالتمثيل هو محاكاة لحدث ما او ظاهرة سلوكية ومن هنا جاءت النظرية بهذا المضمون وهو نقل مضمون المادة العلمية الى مادة بصرية يمكن رؤيتها ونقدها والإلمام بجميع جوانبها لوضع الحلول لها وتعزيز ما هو إيجابي بها وتلاشي ماهو سلبي فهي مزيج بين العلم البحت (أي مادة تطبق عليها الأسس العلمية في البحث العلمي إلى مادة مرئيّة تعكس واقع الحياة) وهذا ما يطلق عليه الحوار المتمدن فلغة العصر الحالي هي الإعلام برؤية تكنولوجية

فالمحاكاة ما هي إلا محاولة إعادة عملية ما في ظروف اصطناعية مشابهة إلى حد ما إلى الظروف الطبيعية فهي طريقة أو اُسلوب تعليمي يستخدمه المعلم عادة لتقريب الطلبة إلى العالم الواقعي الذي يصعب توفيره للمتعلمين بسبب التكلفة المادية أو الموارد البشرية (التعليم الاحترافي)، فأسلوب المحاكاة استخدم منذ أن وجد الإنسان على الأرض، كما أشارت بعض الدلائل التاريخية وأول لعبة محاكاة في تاريخ البشرية هي لعبة الشطرنج التي ترجع إلى ٣٠٠٠ سنة قبل الميلاد في الصين والتي كانت تهدف إلى التدريب على المناورات العسكرية أما جذورها ترجع إلى الحضارة اليونانية، ومنذ منتصف الستينات من القرن العشرين ازداد الاهتمام بالمحاكاة كطريقة مناسبة وفعالة في عملية التعليم وخاصة بعد ظهور الحواسيب حيث أصبحت عملية المحاكاة للمفاهيم والأنشطة والتجارب تتم من خلال الحاسوب، ومع تطور الحواسيب ازدادت المحاكاة الحاسوبية فعالية وإثارة في تدريس المفاهيم والمواضيع العلمية المختلفة وتنوعت لغات المحاكاة واستخداماتها في التدريس وهذا ما جعله أكثر مرونة وحيوية من ذي قبل، كما استخدمت المحاكاة في التقليل من الخسائر المادية والمعنوية وهذا ما جعلها من النشاطات الفاعلة والممتعة في إرساء أسس التعليم لبعض المهارات والمواضيع الصعبة التي يصعب التعامل معها دون مخاطر على أرض الواقع بصورة بصرية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *