Tuesday, 20 Oct 2020

قشور التواصل الاجتماعي

عبدالله النعيمي

 

لا يخفى على الكثير من مستخدمي تطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي ما لتلك التطبيقات من فوائد جمَّة لا تُحصر في تخصص معين أو علم محدد، فكثيرة هي المواقع والصفحات التي تستعرض آخر التطورات والمجريات حول العالم اليوم، من السياسة ومآربها إلى الاقتصاد واضطراباته، مرورا بالاجتماع والتاريخ وغيرها الكثير ممن تختصر تلك التطبيقات الزمن والجهد على مستخدميها بحثاً حولها.

لكن لكلِّ شيء إذا ما تم نقصان، فمع الحد الإيجابي هناك حدٌّ سلبي في ذلك السيف تابعته بنفسي ورافقته لأيام طوال ومَحّصتُ ولم أمرّ عليه مرور الكرام؛ لأنّه طالما استفزني وأثار اشمئزازي، وسأتناول في المقال هذا أمثلة واقعية شاهدتها، وسأختم بالعلاج والخلاص من هذا المرض العُضال الذي أصيب المجتمع جُلّه به، ففي أيامٍ خَلَت راقبت وتفحصت ما يتم نشره من الشريحة الكبرى في المجتمع، فنبدأ مثلا : بصراع الديكة الذي يتجدد أسبوعيا مرة أو مرتين بعد مباراتي برشلونة من جانب وريال مدريد من جانب آخر، فالصراعات تكون على أشدها وكأنّ بلوغ المرام يتم بتشجيع ومناصرة أحد الفريقين، فهذا يَسُبُّ وهذا يشتم وذاك متعصب لرأيه وذاك مخاصم لهذا، وهذه الفوضى إنما تحدث في مجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص، أما هناك في إسبانيا فكل شيء ينتهي بانتهاء المباراة، أنا لست بالضدِّ من تشجيع فريق بعينه، لكن أن يشجع أحدُنا بروح رياضية وأخلاق ترقى لمتعة الرياضة الأولى حول العالم .

مثال آخر يُضحك به على الذقون وهو إنّك إذا كتبت الرقم الفلاني فانظر ماذا سيحدث للقطّة، ستختفي القطة أو ستذهب الحمامة، والغاية من نشر ذلك كما نعلم كسب أكبر عدد من التعليقات والإعجابات، وكذلك ماظهر قبل مدة في أيام خلت وهو أن تكتب يا رزاق فتأتيك الأموال لبيتك، والنتيجة إن لم تأتِ الأموال سيعترض الذي كتب ذلك بأنّ الله ضيق عليه في رزقه، متناسيا ضيق عقله، وذلك الذي كأنه ملك العالم حين يرتقي ويصل درجة (آدمن) في إحدى الصفحات، وآخر ليس في صفحته الشخصية غير منشورات الطعام والمطاعم وكأنّ الحياة اقتصرت على الأكل فقط، والأدهى من أولئك، شخص ينشر صورته الشخصية مع حكمة معينة ليس هو قالها فيجعلنا في حيرة من أمرنا، أنشكره على الحكمة ؟ أم نقول له (منور) على الصورة التي نشرها؟، التي هي باعتقادي وبنسبة لا تقل عن ٩٩٪‏ نشرت لكي يتم التعليق عليها لا على الحكمة، وهناك من لا يضع الإعجاب إلا لمن وضعه له، وغيره يصبح خبيرا ويحلل في المواضيع المطروحة كلها، وأختم القائمة التي لا يمكن حصرها في هذا المقال بأحدهم حين يستجدي التعليق واللايك ويخترع طرقا وأساليب لها، كان يقول بأنّه محظور ولسان حاله يقول من فضلكم أَشبعوا رغباتي بتعليقكم وإعجاباتكم، (ينتظر الإعجاب كانتظار اليباب ماء المطر) .

ممتدة وكبيرة هي القائمة، والخرقة كبيرة على الراقع، لكن المشكلات مهما كبرت وعظُمت فلا بدَّ من وجود حلول داخلية أو خارجية تؤتي أُكلها إن عملنا بها، وتبدأ حملة المكافحة من الشخص ذاته انطلاقا إلى المجتمع، باعتباره مكوناً رئيسا لذلك المجتمع، فيا من تستخدم تلك التطبيقات حاكِ نفسك، وفكِّر مليا قبل أن تكتب أي حرف أو كلمة أو جملة، واسأل نفسك ما الفائدة المنتقاة من كلماتي لنفسي ولغيري؟ هل سأغير سلوكا؟ هل أبدل قناعة؟ هل سأضيف فكرة؟ هل سأُقدم معلومة؟ أم أنها لغو وهواء في شبك، أم أنها غريزة حبّ الظهور والتمايز، والأمر الآخر أن تتحقق من صحة ومصدر المعلومة في زمن كثرت فيه المغالطات والتلفيقات والاتهامات، وإن شأتَ فاستبق الحاضر مسافرا إلى المستقبل وضعْ نفسك بعمر يفوق عمرك الحالي بخمس أو أكثر من السنوات، واسال نفسك بتلك العقلية هل سترضى على ما تنشر؟؟ باعتقادي إن فعلت ذلك ستسحب يدك عن نشر الكثير من مقالات وخواطر كدت تنشرها .

أما المجتمع فمن واجبه أولاً أن لا يطبّلَ ويزمِّر لكلّ صغير وكبير يظهر من وقت لآخر على شاشة أو موقع أو تطبيق، وثانياً أن لا يلعب دور المستقبِل الخالي الوفاض؛ لأنَّ العملية الاتصالية أكاديميا نظريا وعمليا، من عناصرها الرئيسة هو ردّ الفعل والتصفية بما يراه المستقبل مناسبا لأفكاره وسلوكه لا أن يُسلم لما يقرأ، زيادة على ذلك أن تسعى كلُّ مجموعة من الشباب الواعي المثقف للعمل على إنشاء صفحات توعوية معلوماتية تزيد من الإدراك والثقافة المجتمعية في شتى العلوم والاختصاصات، في الحال هذه نضمن قلة قشور المعلومات وكثرة عمق وفلسفة العلوم والاختصاصات، فالجهل كما نعلم لا يُحارب إلا بالثقافة.

وتذكر جيدا أن ما تكتبه يعبر عن عقلك وفكرك وسلوكك وتربيتك وأخلاقك، ومن أنت وإلى أين سائر وأمور جمة اختصرها بكلمات أربع وهي (شخصيتك مختبئة خلف حروفك).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *