Sunday, 25 Oct 2020

نحو قصة صحفية بلا ملل

عثمان المختار / صحفي وكاتب عراقي

 

لا أتفق تماماً مع من يقول إننا بتْنا في عصر ثقافة الـ”140 حرفا”، ثم يطالب المراسل والمحرر- على حد سواء- باختصار التقرير أو القصة- قدر الإمكان- لتجنب الملل الذي قد يصيب القارئ ويدفعه إلى عدم إكمال القصة أو المادة الصحفية المكتوبة، أو حتى القفز على بعض فقراتها للوصول إلى النهاية وأخذ “الزبدة” منها على أقل تقدير. فالأحداث الجارية في المنطقة أكبر من أن توصف أو تُشرح في بضعة سطور عابرة. وبالتأكيد هناك الكثير لشرحه، فهناك الضحايا القابعون تحت أنقاض المباني، أو أولئك الذين تنساب أوجاعهم ومناشداتهم من شقوق الخيام في الليالي الباردة في بطن بادية الموصل أو أقصى ريف حلب، ينتظرون من يتفاعل معهم ومن ينقل ما ألمّ بهم بأمانة، دون أن يبخس حقهم أو يكتم تفاصيل أخرى يعلمها، بدعوى وقت القارئ والحرص على أن يكمل قراءة ما نكتب.

وهذه الإشكالية برزت مؤخرا كتحدٍ كبير للصحفيين في مسألة كيفية احتراف نقل الواقع بكل تفاصيله مع الحرص على ألا يصاب الجمهور بالملل ويضطر إلى العزوف عن إكمال القصة، وفي الوقت نفسه أن تجعله يتفاعل مع الحدث ويشعر به بل ويترجمه إلى أفعال، فالصحافة في النهاية وسيلة لإحداث تغيير، وإن كانت غير ذلك ستتحول إلى أشبه ما يكون بكتاب تاريخي يتحدث عن وقائع جرت قبل قرون طويلة ولا وظيفة للجمهور غير معرفتها.

عام 1996 ألقى الدكتور محمد العاني-رحمه الله- (تم اغتياله على يد مليشيا موالية لإيران عام 2003)، محاضرة في الجامعة المستنصرية بالعاصمة العراقية بغداد، وكنت أحد الذين تعلّموا منه الكثير، حينها كانت بغداد كالحبل السري في رحم الأمة العربية، يولد بفضلها كل يوم بحث أو تقرير أو كتاب، يُعنى بفنون السرد وطرق إيصال المعلومة للمتلقي، بأقصر الطرق وأسرعها، مع عدم اختلال البناء العام للقصة أو التقرير. لم يكن حينها الإنترنت موجودا في العراق، إلا على نطاق ضيق جدا، وكنا نسمع عن هذا الاختراع من القادمين إلينا من خارج البلاد، وتحديدا من أوروبا، فصحافة الإنترنت أو الإعلام الإلكتروني لم تكن موجودة بعد، وجل الحديث كان عن الصحف والمطبوعات الورقية، والهمّ الأول هو ألا يصاب قارئك بالملل.

قال حينها “لا فرق بين من يطلب منك أن تصمت وسط جلسة عامة أو اجتماع، وبين من يرمي قصتك ولا يُكملها، لذا احرص على ألا تجعل القارئ يملّ أو يشعر بإضاعة الوقت في قراءة ما تكتب”.

ضحك بعض الزملاء من هذه العبارة، أحدهم التقيته قبل سنوات في تونس حيث يعمل في إحدى الصحف المغمورة، كان يشكو من سوء حظه في عدم العثور على صحيفة محترمة تمنحه مرتبا يكفيه. حاولت مساعدته في ذلك، فطلبت منه أن يبعث لي مواد صحفية كتبها سابقا. وكانت الكارثة، فالصديق القديم فعلا كان حينها غير مؤمن بحكمة الدكتور محمد العاني.. كانت تقاريره الصحفية عبارة عن إنشاء لا أكثر، على طريقة كتّاب الكنيسة في القرون الوسطى، وجدته بدأ مقاله بعبارة (تستمر معاناة الشعب العراقي، للعام العاشر على التوالي، فالإرهاب مستمر بالتفجيرات والناس يُقتلون كل يوم بفعل ذلك). يمكن لك أن تتخيل القارئ العربي الذي نقر بالماوس على عنوان التقرير وهو يقرأ يوميا ما يجري في العراق ليجد عبارة مكررة إنشائية بلا معلومة، ولا أعتقد أن فيها ما سيجعله يواصل القراءة ولا أدري كيف سيتعامل محرر (الدسك) مع تلك القطعة الإنشائية وهو يجد أنّ أول ستة سطور سرد أقل ما يمكن وصفه بالمعروف الغني عن الذكر.

يجب أن نبحث عن طريقة تحافظ على أسس ومبادئ الكتابة الصحفية، وفي الوقت نفسه تحترم وقت القارئ وتقدم له المعلومة بلا استغلال لوقته على طريقة الإعلانات في التلفزيون.

لا أدري كيف يفكر جمهور التلفزيون أو الإعلام المرئي، وما هي معالجات القائمين عليه في جذب المتابعين أو المشاهدين. لكن بالنسبة لي، أجد أنّ هناك الكثير من الأشياء التي يجب مراعاتها عند الكتابة للصحيفة أو الموقع الإلكتروني.

أنا أيضا، أخاف من مرض “اللف والدوران”، الذي يصيب كثير من الصحفيين هذه الأيام ويمنعهم من الدخول في الموضوع وتقديم المعلومة.

لذا أحاول أن أرصد زاوية التقارير اليومية للأحداث وأهم ما يجب مراعاته فيها

العنوان:

أكبر دليل على حرفية الكاتب وإتقانه الصنعة هو العنوان، لأنّه أول ما تقع عليه أعين القراء، وبمثابة كلمة سر يدخل الجمهور إلى ما كتبت أو يتركه. وكلما كان قصيرا مستفزا لفضول القارئ كان أفضل، مع الحرص على عدم الانجرار وراء صحافة (الترَفِك) التي تهدف إلى جلب المزيد من القراءات من وراء عناوين لا تمتّ للمادة بصلة مثل (الجيش الروسي يهدد القواعد الأميركية في الخليج)، وبمجرد الدخول إلى الموضوع تجده عبارة عن بيان للقوات الروسية يتحدث عن إرسال تعزيزات جديدة إلى قاعدة طرطوس السورية. وهذا ما يمكن اعتباره خداعا للجمهور أو ضحكا عليهم. أو مثل عنوان (البغدادي في عداد الأموات)، وعندما تدخل تجد أنّ الموضوع عبارة عن تصريح لقائد أميركي يتحدث عن جمع قاعدة معلومات لتحركات زعيم تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” قد تنتهي بالقبض عليه أو قتله. وهذه من العناوين الشائعة هذه الأيام مع الأسف لجلب القراء ضمن حمى التنافس بين المواقع والصحف الإلكترونية لجلب مزيد من المتابعين، لكنها في النهاية ستؤدي إلى فقدان مصداقية الموقع أو الصحيفة على قاعدة (كذاب مالطا غرق.. لا لم يغرق)!

وأفضل العناوين ما كان قصيرا مباشرا لا يتجاوز السبع كلمات، كل كلمة فيه تجدها وكأنها مقتطعة من متن المادة بطريقة حرفية رشيقة.

المقدمة:

يكشف الصحفي عن براعته في الكتابة وتمكُّنه من الحرفة من خلال المقدمة أيضا، فضخ أكبر قدر ممكن من المعلومات في أقل عدد كلمات يجعلك تحقق أول هدف لك، وهو عامل التشويق والجذب الذي سيجعل القارئ الكريم متواصلا مع المادة، حريصا على الاستمرار في قراءتها.

وعادة ما تكون المقدمة فقرتين لا تزيد عن 60 كلمة ولا تقل عن 30 كلمة وتتناول كل زوايا القضية التي نحن بصدد تقديمها في هذا التقرير.

جسد التقرير:

هنا يجب أن نلاحظ أننا أنهينا المقدمة ويجب الدخول في الموضوع بشكل مباشر بلا مقدمات أو إنشاء، فالعقل البشري- بحسب قواعد القراءة والاستيعاب الخمس- صار جاهزا لفهم الموضوع وتخيل صورته كما جرت.

نبدأ بتصريح المسؤول أو المصدر (صاحب المعلومة) بشكل مباشر. ويجب ألا نقدّم الاسم على الصفة في هذه المنطقة بالذات من التقرير، وأن نتجنب تكرار العبارات الانتقالية بين الفقرات بشكل مباشر ومحاولة تنويعها مثل: وأوضح وأضاف ولفت وأكد وأشار ونوه وقال وأبلغ وألمح، مع ملاحظة أنّ هذه الأفعال تأتي بحسب صيغة الكلام الموجودة في سياق التصريح.

هنا لا يجب أن ننتقل إلى متحدث ثانٍ على الإطلاق بشكل مباشر ونحاول جهد الإمكان أن نسرد معلومة خاصة أو نربط الحدث بتطورات ذات صلة به حدثت مؤخرا أو أنها ستحدث حسب ترجيحات أو توقعات موجودة قبل الانتقال إلى مصدر معلومة ثانٍ بهدف إدامة عامل الاستمرارية عند القارئ في ربط الأحداث.

الاعتناء بالصورة قدر الإمكان، دع القارئ يتخيل الحدث من خلال المعلومات التي ستوردها في تقريرك وكأنه يشاهدها أمام عينيه، هذا مهم للغاية.

البدء بالمعلومة الأقوى في بداية جسد التقرير، بمعنى أننا نعطي الكثير من المعلومات الأهم على قاعدة الأهم ثم المهم ثم العادي غير الملل أو المكرر.

سيكون عندها القارئ أمام سيل من المعلومات متناسق لا يحمل أي نوع من الإنشاء حتى انتهاء جسد التقرير الذي سيكون عبارة عن سبيكة معلومات أو مصفوفة متناسقة يرتبط أولها بآخرها.

الخاتمة:

يجب أن يكون الختام ذكياً مثل البداية، ويُفضل أن يكون بمعلومة أيضا تعزز جميع ما ورد في أعلى المادة، أو أن تختار شيئا من السياق الزمني السابق للحدث وتورده من باب إثراء أكثر لمعلومات القارئ حول ما تقدم من قراءته.

لا يوجد طول معين مثالي للتقرير الصحافي اليومي، وأفضله ما كان بين 500 و600 كلمة.

راجع المادة ثلاث مرات، واحدة منها بصوت مسموع لك، بالتأكيد ستجد أنّ هناك ما يجب إصلاحه داخلها.

تكون بذلك قد نجحت فعلا في إيصال ما تريد، وفي الوقت نفسه احترام القارئ دون أن يشعر أنه أضاع وقته في القراءة ويخرج راضي البال من المنتج الصحفي، وأنّه سيعود مرة أخرى ليقرأ مرة أخرى وهو متأكد أنه سيحصل على المعلومة بشكل سريع وبلا عبارات فضفاضة وإنشاء عام بلا معلومات.

ملاحظة: أنت لست مطالبا بكتابة كل ما تسمع من المصادر، فبعضهم يتحدث بأمور لا تعني القارئ الإقليمي أو الدولي أو حتى المحلي. يمكنك تكوين الفكرة ثم صياغتها بنفسك بأقل العبارات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *